رووداو ديجيتال
تبرهن القيادة الكوردستانية، البارزانيون خاصة، حكمتها السياسية وبأنهم رجال دولة من طراز متميز ويمنحون ساسة العراق من قادة الأحزاب والبرلمانيين والحكومة دروساً في معنى إدارة البلد في ظل الأزمات الكبيرة، وآخرها أزمة قصف الفصائل المسلحة لمدن الإقليم، أربيل ودهوك وزاخو والسليمانية بحجة استهداف القواعد والمصالح الأميركية، موجهين مسيراتهم نحو حقول النفط والأحياء السكنية الآمنة.
تاريخياً كنا نسمع ونقرأ عن المبادرات والتعامل الإنساني من قبل الزعيم الخالد ملا مصطفى بارزاني، خلال قيادته للثورة الكوردية، مع الجنود العراقيين الذين كانوا يساقون إلى ميادين القتال ضد المدن والقرى الكوردية، عندما يقعون في أسْر قوات البيشمركة، حيث كان الزعيم الخالد يعفو عنهم باعتبارهم مواطنين عراقيين مجبيون على خوض هذا القتال، والأكثر من ذلك لم يفكر قائد الثورة الكوردية ومن خلفه، بارسال أية سيارة مفخخة أو إحداث أي تفجيرات في المدن العراقية، وفي مقدمتها بغداد، ردّاً على قيام الحكومات العراقية المتعاقبة، وآخرها نظام صدام حسين، بقتل الكورد وحرق مدنهم وقراهم، وكانوا قادرين على فعل ذلك.
الرئيس مسعود بارزاني ورث تلك الصفات الإنسانية منطلقاً من عقيدته البارزانية السمحاء، مبتعداً عن الثأر ومتحرراً من روح الانتقام، ففي انتفاضة الشعب الكوردي عام 1991 ضد نظام البعث كانت حكمة الرئيس بارزاني هي "عفا الله عما سلف" بل إن الشعب الكوردي تصرف مع منتسبي القوات المسلحة العراقية التي كان لها الفيلق الخامس في أربيل بروح سمحاء، وبدلا من الانتقام من الجنود والضباط الذين كانوا يتصرفون مع الكورد بمنتهى الوحشية، فتحوا أمامهم بيوتهم وفنادقهم ومطاعمهم.
ومنذ أن بدأت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، قبل عشرة أيام، فتحت الفصائل العراقية المسلحة، التي أطلقت على نفسها تسمية (المقاومة الإسلامية) نيرانها على إقليم كوردستان، ووجهت صواريخها ومُسيَّراتها الانتحارية نحو المنشآت النفطية في الإقليم ومطار أربيل وبعض المنشآت الحيوية، مستهدفين البنية التحتية واشاعة الرعب بين السكان الآمنين، علما أن هناك ما يقرب من مليون مواطن عراقي غير كوردي يقيمون بصورة دائمة في الإقليم.
وتحلت القيادة الكوردية، البارزانية، بالصبر والحكمة، واتبعت الطرق المنطقية في الرد على هذه الهجمات عن طريق مفاتحة رئيس الحكومة الاتحادية والبرلمان العراقي وقادة الأحزاب السياسية لإيقاف هذه الهجمات التي تنطلق من الأراضي العراقية نحو أراض ومصالح عراقية ومستهدفة حياة مواطنين عراقيين كورداً وعرباً وتركماناً ينتمون لمختلف الأديان والطوائف.
ومن قرأ رسالة الرئيس مسعود بارزاني التي وجهها يوم أمس الأحد، (8 آذار 2026)، إلى القيادة السياسية العراقية في بغداد، يدرك عمق الحكمة التي يتمتع بها هذا القائد لدرء المخاطر التي تهدد، ليس إقليم وشعب كوردستان فحسب، بل عموم العراق وجميع العراقيين ووحدتهم وكيان الدولة العراقية، ذلك أنه: "على مر التاريخ، لم يكن شعب كوردستان أبداً مع الحرب، وكان دائماً يدعو إلى السلام والتعايش، وإذا فُرضت عليه الحرب، فقد دافع عن نفسه وعن حقوقه.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
هذا مبدأ ثابت ينبع من إيمان راسخ وثقافة غنية بالسلام والتعايش لدى شعب كوردستان"، بحسب رسالة الرئيس بارزاني، مضيفاً: "من المؤسف جداً أن منطقتنا تشهد الآن حرباً وتوتراً شديدين. لقد كنا دائماً، وما زلنا، نأمل في أن يتم حل جميع المشاكل والقضايا بالطرق السلمية، لأن الحرب دائماً ما تكون سبباً للدمار والخراب".
يتحدث الرئيس بارزاني بلغة هادئة، يحذر لا يهدّد، ويستقرئ ما قد يحصل في المستقبل، موضحاً: "في هذا السياق، من المثير للاستغراب الشديد أن بعض الجماعات والأطراف، تحت اسم المقاومة وبذرائع وشعارات لا أساس لها من الصحة، تسمح لنفسها بمهاجمة الأماكن المدنية والبنية التحتية الاقتصادية لإقليم كوردستان ومقرات البيشمركة. هذا استعداء واعتداء سافر على حقوق المواطنين واستقرار وأمن إقليم كوردستان".
إنه لَوهمٌ كبيرٌ أن يعتقد بعضٌ أن قيادة إقليم كوردستان غير قادرة على الرد على مصادر النيران وعلى التهديدات التي تنال من أمن الإقليم واستقراره، فالشعب الكوردي الذي قاتل وصمد لما يقرب من مئة عام بوجه أعتى القوات العسكرية للحكومات العراقية المتعاقبة التي استخدمت شتى أنواع وسائل القتل، بضمنها الأسلحة الكيمياوية، من أجل كرامته وحريته بالتأكيد قادر على حماية مكتسباته التي تحققت بفعل تضحيات الآلآف من الكورد من أجل قيام إقليم كوردستان وازدهاره.
وهنا يحذر الرئيس بارزاني في رسالته، بعيداً عن لغة الثأر والانتقام، قائلاً: "وهنا، على جميع الأطراف أن تعلم جيداً أن ضبط النفس له حدود أيضاً. البيشمركة لم تقبل قط الظلم والجور من أي طرف، ولا يمكن ولا ينبغي أن يستمر هذا الاستعداء وتقويض استقرار إقليم كوردستان وأمن مواطنيه من قبل هذه الجماعات. ولهذا الغرض، ندعو الحكومة ومجلس النواب العراقي والأطراف السياسية، وخاصة الإطار التنسيقي، إلى التدخل بجدية ووضع حد لهذه الاعتداءات، لأن استمرار هذا الاستعداء ستكون له عواقب وخيمة".
الرئيس مسعود بارزاني يقدم دروساً بليغة في إدارة الأزمات، دروساً حكيمة وهادئة، لكنها عميقة في معانيها مجنبا إقليم كوردستان والشعب الكوردي والعراق بأكمله ويلات الاقتتال الداخلي وزعزعة الأمن ومعالجة أكثر المواقف خطورة بصبر ودراية سياسية مستندة إلى خبرة ومعايشة لعشرات السنين، في قيادة الثورة الكوردية، منذ انطلاقتها حتى تحقيق أهدافها.. هي دروس القائد الحليم، وقيل "احذر الحليم إذا غضب".
