تمرّ علينا اليوم ذكرى الحادي عشر من آذار 1970 بوصفها إحدى اللحظات المفصلية في تاريخ العراق السياسي الحديث، حين تم التوصل إلى اتفاق تاريخي بين الحكومة العراقية وقيادة الحركة الكوردستانية بقيادة الزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني في عهد الرئيس احمد حسن البكر وقد مثّل ذلك الاتفاق محاولة جادة لإرساء صيغة جديدة للعلاقة بين مكونات الدولة العراقية، قائمة على الاعتراف المتبادل والحقوق القومية والشراكة السياسية في الوطن.
ورغم أن الاتفاق لم يُنفّذ بصورة كاملة وانتهى لاحقاً إلى الانهيار بسبب تراجع النظام العراقي عن تعهداته والتزاماته، فإن مبادئه الأساسية بقيت حاضرة في الوعي السياسي العراقي، بل أعيدت صياغتها بصورة أكثر وضوحاً في الدستور العراقي لعام 2005 الذي أقرّ النظام الاتحادي وكرّس مبدأ الشراكة بين مكونات الدولة.
إن استعادة هذه الذكرى ليست مجرد وقفة تاريخية، بل هي فرصة للتأمل في الدروس التي يقدمها التاريخ حول مستقبل العراق وبنية نظامه السياسي.
اتفاقية 11 آذار: محاولة مبكرة لبناء شراكة وطنية
جاءت اتفاقية 11 آذار في سياق سياسي معقد اتسم بصراع طويل بين الدولة المركزية الشموليّة والحركة الكوردستانية التحررية. وقد تضمنت الاتفاقية مبادئ جوهرية أهمها الاعتراف بالشعب الكوردستاني شريكاً في الوطن العراقي، ومنحه حكماً ذاتياً ضمن إطار الدولة، وضمان حقوقهم الثقافية والسياسية.
وكان جوهر الاتفاق يقوم على فكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر:
إن استقرار العراق لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي، وبناء الدولة على أساس الشراكة لا الهيمنة والشمولية.
غير أن المشكلة لم تكن في النصوص، بل في عدم الالتزام بتنفيذها. فسرعان ما تعثّر تطبيق الاتفاق بسبب الخلافات السياسية وقضايا الحدود الإدارية، خصوصاً ما يتعلق بمدينة كركوك والمناطق المختلطة، مما أدى إلى انهيار الاتفاق وعودة النضال والصراع المسلح بسبب تنكر حكومة البكر وصدام لتعهداتهم والتزاماتهم بشكل كامل.
الدستور العراقي 2005: إعادة إحياء فكرة الشراكة
بعد عام 2003، جاء الدستور العراقي ليؤكد من جديد المبادئ التي سعت إليها اتفاقية 11 آذار، ولكن في إطار دستوري أكثر وضوحاً. فقد نص الدستور على أن العراق دولة اتحادية ديمقراطية تقوم على مبدأ تقاسم السلطات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، واعترف رسمياً بإقليم كوردستان ككيان دستوري.
كما تضمن الدستور مواد أساسية تتعلق بتنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم، ومعالجة قضية المناطق المتنازع عليها، وضمان التوزيع العادل للثروات الطبيعية.
غير أن التجربة السياسية خلال العقدين الماضيين كشفت مرة أخرى عن وجود فجوة بين النصوص الدستورية والتطبيق العملي، وهو ما أدى إلى استمرار التوترات السياسية بين بغداد وإقليم كوردستان وايضاً فشل تقديم الخدمات والنهوض بواقع العراق في مختلف القطاعات وفي المحافظات العراقية الغير منتظمة في إقليم.
الفدرالية الحقيقية: ضرورة تأسيس أقاليم أخرى
إن أحد أهم شروط نجاح النظام الاتحادي في العراق هو أن يكون نظاماً فدرالياً حقيقياً ومتوازناً، لا نظاماً شكلياً أو انتقائياً. ومن هنا تبرز أهمية تأسيس إقليم الوسط وإقليم الجنوب ضمن إطار الدستور العراقي، بحيث يتحقق التوازن الاتحادي بين مختلف مناطق البلاد.
فوجود أقاليم متعددة من شأنه أن يعزز مبدأ اللامركزية الإدارية والسياسية، ويمنح الأقاليم (المحافظات المنتظمة في إقليم) صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها الاقتصادية والتنموية، مما يخفف الضغط عن السلطة الاتحادية ويعزز كفاءة الإدارة وتقديم الخدمات.
وفي هذا الإطار ينبغي أن تكون بغداد عاصمة اتحادية جامعة ينتمي إليها جميع العراقيين دون استثناء، وتمثل مركز التوازن السياسي بين الأقاليم، كما هو الحال في العديد من الأنظمة الفدرالية الناجحة في العالم.
تطبيق الدستور: المناطق المتنازع عليها وتوزيع الثروات
إن نجاح النظام الاتحادي في العراق يتطلب الالتزام الكامل بتطبيق المواد الدستورية المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها، وكذلك تلك التي تنظم توزيع الثروات الطبيعية وتشريع القوانين الخاصة بها و تنظيم الصلاحيات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم.
فالقضية ليست مجرد خلاف إداري، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة العراقية على احترام التزاماتها الدستورية وتحقيق العدالة بين مكوناتها.
إن معالجة هذه الملفات وفق الدستور والقانون يمكن أن تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية.
