تشهد أسواق الطاقة العالمية وحركة التبادل التجاري للسلع والبضائع هذه الأيام صدمة غير مسبوقة، حيث يقترب مضيق هرمز من الإغلاق التام. هذا التأثير لا يقتصر على سوق الطاقة فحسب، لأن نصف حركة الملاحة عبر المضيق مخصص لنقل المواد الغذائية والمنتجات الزراعية والسلع الاستهلاكية.
وفي الوقت الذي انخفضت فيه إمدادات النفط العالمية بنسبة 20% نتيجة إغلاق المضيق، اتخذت الدول تدابير متباينة للحد من ارتفاع الأسعار، من بينها طرح وكالة الطاقة الدولية لـ400 مليون برميل من مخزوناتها. مع ذلك، فإن التأثير الأكبر الذي سيبرز في الأيام المقبلة يكمن في غياب البدائل للسفن التي تنقل السلع والمواد المتنوعة.
تشير البيانات الحالية إلى أن عدد السفن التي تعبر مضيق هرمز يومياً بات يُحصى على أصابع اليد الواحدة. ووفقاً لآخر تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي وجامعة أكسفورد لمراقبة التجارة البحرية، فقد بلغ عدد السفن العابرة للمضيق في (27 شباط 2026) قبيل اندلاع الحرب 95 سفينة، ثم انخفض في اليوم التالي إلى 76 سفينة، ليصل في 8 آذار إلى ست سفن فقط.
إن هذا التراجع الحاد في إمدادات النفط يعد سابقة تاريخية تختلف تماماً عن الأزمات السابقة التي واجهت أسواق الطاقة، مثل أزمة الحظر النفطي في 1974، والثورة الإيرانية في 1979، وغزو العراق للكويت في 1990، والأزمة المالية في 2011، ووباء كورونا في 2020، والغزو الروسي لأوكرانيا في 2022. ما يحدث اليوم فريد من نوعه بسبب الإغلاق الفعلي للممرات الملاحية واستهدافها المباشر، بالإضافة إلى التهديدات التي تطال الممرات البديلة مثل ميناء "الفجيرة" في الإمارات، واستهداف البنى التحتية للدول المنتجة، كما هو الحال في الحقول النفطية العراقية.
يواجه العالم اليوم خطراً جسيماً؛ فاستمرار إغلاق مضيق هرمز وتوقف حركة الملاحة فيه لن يؤدي فقط إلى قفزات في أسعار النفط والغاز الطبيعي والطاقة، بل سيشمل أيضاً المواد الغذائية والمنتجات الزراعية ومختلف السلع.
حركة السفن وبدائل مضيق هرمز
تُظهر بيانات صندوق النقد الدولي وأكسفورد للرقابة التجارية أن أربعة أنواع من السفن كانت تعبر المضيق يومياً لنقل النفط، والمواد الغذائية والزراعية، والسلع المتنوعة، ووفقاً للبيانات المتاحة من (1 كانون الأول 2019) حتى (8 آذار 2026)، سُجلت أعلى حركة ملاحية في (6 حزيران 2023) بواقع 138 سفينة (82 ناقلة نفط، 29 سفينة حاويات، 19 سفينة بضائع جافة، و8 سفن سلع متنوعة).
في المقابل، وفي الأيام الأولى لاندلاع الحرب "الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية"، لم تعبر سوى ثلاث سفن فقط مضيق هرمز في (4 آذار 2026)، منها سفينتا حاويات وسفينة بضائع جافة واحدة، بينما استقر عدد ناقلات النفط عند (صفر) منذ (1 آذار 2026).
مع استمرار الحرب واستهداف البنية التحتية للنقل ومسارات تصدير النفط خارج مضيق هرمز، لا سيما الهجمات على "باب المندب"، لوحظت زيادة في حركة السفن عبر هذا المنفذ الأخير بنسبة 50% منذ اليوم الأول للحرب؛ حيث ارتفع عدد السفن العابرة من 20 سفينة في (28 شباط 2026) إلى 43 سفينة في (8 آذار 2026).
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
وعلى الرغم من امتلاك اثنين من كبار المنتجين مثل السعودية والإمارات لبدائل تصديرية خارج مضيق هرمز، قادرة على نقل ما بين 3.5 إلى خمسة ملايين برميل يومياً من أصل 20 مليون برميل مفقودة من السوق، إلا أن استهداف ميناء الفجيرة والتهديدات التي تواجه الخط السعودي المتجه للبحر الأحمر تزيد من عمق الكارثة.
توقعات أسعار النفط وتداعياتها ارتفاعها
قفزت أسعار النفط بنسبة 70% منذ اليوم الأول للحرب، وتكفي كمية النفط التي طرحتها وكالة الطاقة الدولية لتغطية الفجوة التي خلفها إغلاق هرمز لمدة ثلاثة أسابيع فقط (22 يوماً)، ما يعني أن الـ400 مليون برميل لا يمكنها المحافظة على الأسعار عند مستوياتها الحالية التي تتجاوز 100 دولار إلا لفترة محدودة وهي ثلاثة أسابيع.
وعلى الرغم من إشارة تقرير وكالة الطاقة الدولية لشهر آذار 2026 إلى أن الأسواق ستفقد ثمانية ملايين برميل بدلاً من 20 مليوناً نتيجة زيادة صادرات كازاخستان وروسيا، إلا أن استمرار الحرب وإغلاق المضيق سيعكس التوقعات السنوية التي كانت تشير سابقاً إلى وجود فائض في المعروض مقارنة بالطلب.
وفي يوم الاثنين (16 آذار 2026)، جرى تداول النفط بسعر 105 دولارات قبل افتتاح الأسواق الأمريكية، وتشير المعطيات إلى احتمال استمرار صعود الأسعار نتيجة تزايد التهديدات واستهداف البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط. وفي تقريره الأخير، توقع مصرف "غولدمان ساكس" وصول سعر برميل النفط إلى 150 دولاراً في حال استمرار الحرب.
إن استمرار إغلاق المضيق والتهديدات التي تواجه ناقلات النفط سيخلق تداعيات وخيمة، حيث يرتبط ارتفاع أسعار الطاقة طردياً بارتفاع أسعار المواد الغذائية، وبناءً على بيانات الأمم المتحدة، فإن صعود سعر النفط من متوسط 85 دولاراً (كما في كانون الثاني 2022) إلى مستويات قياسية يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع مؤشر أسعار الغذاء من 135 إلى 155 نقطة، مما يعني زيادة معدلات الجوع والفقر عالمياً.
الخاتمة
سيكون لإغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج في دول مثل العراق وقطر تأثيرات كبيرة على أسعار الطاقة طوال فترة الحرب. فحتى في حال توقف النزاع، فإن عملية تعويض الاحتياطيات المستنزفة وإعادة تأهيل الحقول المتضررة ستكون معقدة للغاية، خاصة مع استهداف حقول النفط والغاز، وكذلك نتيجة لإغلاق مصيق هرمز ونتائجه الحالية على سوق الطاقة والتبادل التجاري في العالم. إن ما يشهده سوق الطاقة العالمي اليوم هو مجرد البداية، فالبدائل المتاحة تظل ضعيفة وغير قادرة على سد الفراغ الذي تركه مضيق هرمز. نحن أمام وضع استثنائي لا يشبه الأزمات السابقة، حيث تم عزل منفذ حيوي لـ 20 مليون برميل يومياً وشل حركة عشرات السفن التجارية.
