رووداو ديجيتال
في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع، يجد العراق نفسه في موقع حساس بين ثلاث قوى رئيسية تتقاطع مصالحها على أرض المنطقة، ما يجعله من أكثر الدول تأثراً بأي تحول في مسار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل.
هذا الموقع الجغرافي والسياسي يضع بغداد أمام تحدي الحفاظ على التوازن، خاصة مع ارتباطها بعلاقات معقدة مع كل من واشنطن وطهران، في وقت تتابع فيه التطورات العسكرية والسياسية بحذر، خشية انعكاسها على الاستقرار الداخلي أو على حركة الطاقة والتجارة في المنطقة
وتتقاطع التصريحات الأميركية – الإسرائيلية من جهة والإيرانية من جهة أخرى حول وجود محادثات محتملة، في وقت يستمر فيه التصعيد الميداني، ما يعكس مشهداً معقداً تتحرك فيه الأطراف الثلاثة ضمن مسارات متوازية تجمع بين الضغط العسكري وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة.
في واشنطن، تعكس تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن "محادثات جيدة جداً" توجهاً لإدارة الأزمة عبر الجمع بين الضغط والتهدئة. هذا الخطاب يحمل أكثر من وظيفة، من بينها تهدئة الأسواق العالمية، خصوصاً سوق الطاقة، وإرسال إشارة بأن الخيار العسكري ليس المسار الوحيد المطروح. كما يندرج ضمن أسلوب تفاوضي يقوم على خلق زخم إعلامي يدفع نحو اختبار إمكانية الوصول إلى تفاهمات.
في المقابل، يأتي النفي الإيراني لأي محادثات في إطار نهج حذر يوازن بين متطلبات الداخل وحسابات التفاوض. فالإقرار بحوار مباشر في ظل التهديد العسكري قد يُفسَّر داخلياً كتنازل، لذلك تميل طهران إلى إبقاء أي تواصل محتمل ضمن قنوات غير معلنة أو عبر وسطاء إقليميين، إلى حين اتضاح جدية المسار السياسي.
هذا التباين في التصريحات لا يعني بالضرورة غياب التواصل، بل قد يعكس اختلافاً في تعريف "المحادثات" نفسها، فبينما قد تعتبر واشنطن تبادل الرسائل عبر أطراف ثالثة بداية لمسار تفاوضي، ترى طهران أن ذلك لا يرقى إلى مستوى مفاوضات رسمية.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
في هذا السياق، يبرز دور الوسطاء الإقليميين كعامل أساسي في إدارة المرحلة الحالية. الحديث عن تحركات عبر دول مثل باكستان أو غيرها يشير إلى أن القنوات الخلفية قد تكون نشطة، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة الإعلان السياسي الكامل.
أما في إسرائيل، فتتداخل الاعتبارات الأمنية مع ضغوط داخلية متزايدة. فاستمرار العمليات العسكرية لفترة طويلة يفرض كلفة اقتصادية وبشرية، خصوصاً مع استدعاء أعداد كبيرة من قوات الاحتياط وتأثر قطاعات حيوية. كما يشكل وضع السكان في المناطق الشمالية عاملاً ضاغطاً على صانع القرار.
في ضوء ذلك، تبدو إسرائيل أمام معادلة مزدوجة: الحفاظ على مكاسبها العسكرية من جهة، وتجنب الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة من جهة أخرى. وهذا قد يدفعها إلى دعم أي مسار تهدئة، بشرط أن يتضمن ضمانات تحدّ من القدرات التي تعتبرها تهديداً مستقبلياً.
بالنسبة للعراق، فإن أي تهدئة محتملة قد تسهم في خفض التوتر الإقليمي وتخفيف الضغوط على ساحته، فيما يحمل استمرار التصعيد مخاطر اتساع رقعة التوتر، سواء عبر استهدافات غير مباشرة أو تأثيرات على أسواق الطاقة وحركة التجارة.
بالمحصلة، يبدو أن المنطقة، والعراق في قلبها، تقف أمام مرحلة اختبار دقيقة، تتداخل فيها الرسائل السياسية مع التحركات الميدانية، في وقت تبقى فيه احتمالات التهدئة والتصعيد قائمة بالتوازي.
