رووداو ديجيتال
في عُرف العلاقات الدولية لا يُعد استهداف الرموز السياسية العليا مجرد خرق أمني بل هو اختبار كفاءة لصلابة الكيانات المؤسساتية وقدرتها على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى أوراق قوة دبلوماسية. إن المحاولة الفاشلة لاستهداف رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني عبر محيط مقر إقامته في دهوك، تضعنا أمام ضرورة تفكيك الرسائل الموجهة لا إلى أربيل فحسب بل إلى بغداد وعواصم القرار العالمي. فالحادثة جاءت لتقوض جهود التهدئة التي يقودها رئيس إقليم كوردستان، والتي تجسدت في حراك دبلوماسي مكثف شمل أكثر من 5 اتصالات استراتيجية رفيعة المستوى خلال الـ 48 ساعة الماضية مع واشنطن ولندن وعواصم إقليمية لترسيخ دور الإقليم كـ منطقة خضراء جيوسياسية وسط غابة من الصراعات، وقد انعكس هذا الثقل في سرعة استجابة رئيس الوزراء الاتحادي محمد شياع السوداني الذي لم يكن استنكاره مجرد بروتوكول عابر، بل حمل دلالة سياسية عميقة تشير إلى أن بغداد تدرك تماماً أن أمن نيجيرفان بارزاني هو الضمانة الأخيرة لما تبقى من هيبة الدولة العراقية؛ فالسوداني يعلم أن المساس بـ صانع السلام، يعني انهيار الجسر الوحيد الذي يمنع انزلاق البلاد نحو فوضى شاملة، لذا جاء توجيهه بتشكيل لجنة تحقيق عليا كرسالة ردع داخلية للفصائل، واعترافاً بأن استقرار الإقليم هو مصلحة استراتيجية عُليا للمركز.
هذا الحراك الدبلوماسي والمواقف الدولية الصارمة التي توالت من البيت الأبيض والبعثات الدبلوماسية الكبرى تمنح الإقليم حصانة دولية تتجاوز الحدود الجغرافية. فالدول الكبرى ترى في رئيس إقليم كوردستان شريكاً موثوقاً وصمام أمان لحماية السلم الأهلي لأكثر من 900 ألف نازح ولاجئ من العرب والتركمان والإيزيديين والمسيحيين والكاكائيين والصابئة الذين وجدوا في كوردستان ملاذاً إنسانياً لا يفرق بين عرق أو دين. إن قوة الإقليم اليوم ليست مجرد خطاب ديبلوماسي بل هي معمدة بدماء قوات البيشمركة الأبطال الذين قدموا قبل أيام قلائل قافلة جديدة من الشهداء في هجوم غادر استهدف مقرهم لينضموا إلى موكب الكرامة الذي يضم أكثر من 1,800 شهيد، هؤلاء الشهداء هم الضمانة الحقيقية التي جعلت من البيشمركة القوة البرية الأكثر وثوقاً لدى التحالف الدولي، والدرع الذي لولاه لكانت الخارطة الأمنية للمنطقة بأسرها في خطر محدق، وهو ما يفسر القلق الدولي البالغ من محاولات استنزاف هذه القوة بـ بريد النار والمُسَيّرات.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
وفي موازاة هذا الصمود العسكري والسياسي يبرز الدور التنفيذي المحوري الذي يقوده رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، الذي نجح في تحويل كوردستان إلى ورشة إعمار كبرى تتحدى لغة الهدم بلغة الأرقام والمنجزات، حيث شهد الإقليم طفرة في البنية التحتية الاستراتيجية وارتفاعاً في معدلات الاستثمار الأجنبي، وتطوراً ملموساً في تقديم الخدمات والتحول الرقمي، مما جعل من تجربة الإقليم نموذجاً اقتصادياً صاعداً يرفض التراجع أمام ضغوط المليشيات. إن هذا التناغم بين دبلوماسية رئاسة الإقليم الهادئة وقوة الإنجاز في رئاسة الحكومة هو الذي خلق حالة من الحصانة الوطنية التي جعلت من استهداف نيجيرفان بارزاني ارتداداً عكسياً أصاب المهاجمين بالعزلة الدولية، وأثبت لصناع القرار العالمي أن إقليم كوردستان ليس مجرد شريك بل هو الركيزة الأساسية لأي استقرار مستقبلي في الشرق الأوسط وأن محاولة استهداف السلام الكوردستاني هي مقامرة خاسرة أمام إرادة شعبٍ وقيادة ترفض الانجرار لميادين الصراع الوهمية.
واهمٌ من يظن أن أمن كوردستان يترنح بسقوط مقذوف، فالثقل الحقيقي يكمن في وحدة المصير التي تجمع قادة الإقليم وشعبهم الأبيّ، وفي دماء البيشمركة التي تطهر الأرض من دنس الغدر. لقد أرادوا رسم خارطة خوف فارتدت عليهم خارطة ثبات أثبتت للعالم أن كوردستان بتنوعها القومي والديني وازدهارها العمراني بقيادة حكومتها القوية ورؤية رئاستها الحكيمة حقيقة جيوسياسية لا تزلزلها الانفجارات، سيسجل التاريخ أن بريد النار لم يزد الكورد والعرب والتركمان والمكونات كافةً، إلا تلاحماً خلف قيادتهم، وأن هيبة القائد الذي يواجه النار بالحكمة ويبني باليد الأخرى مستقبل الأجيال، هي التي ستكتب السطر الأخير في تاريخ السيادة العراقية والريادة الكوردستانية.
