في صباح الأول من مارس 2026، كان يخت يمر عبر المياه الإقليمية لميناء جبل علي، بينما يتصاعد دخان كثيف خلفه نحو السماء. تلك الصورة التي التقطها فاضل سنا، مصور وكالة الأنباء الفرنسية، اجتاحت جميع وسائل الإعلام العالمية خلال ساعة واحدة. أصبحت الصورة تجسيداً للحظة لم يصدق أي من المهندسين أو البنائين في الخليج أنهم سيرونها يوماً ما. كان جبل علي يحترق، وكانت دبي في قلب الحرب.
استغرق الأمر 9 ساعات فقط بعد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية الأولى على إيران، لكي ترسل الأخيرة ردها إلى أكبر ميناء للحاويات في الشرق الأوسط. وبحلول الوقت الذي سيطرت فيه فرق الإنقاذ في دبي على الحريق في المحطة المستهدفة، كانت شركة (DP World)، المشغلة للميناء وواحدة من أكبر الشركات اللوجستية في العالم، قد أوقفت جميع عملياتها. آلاف السفن رست في الخليج، بينما كان الموظفون والعمال على متن سفن الشحن يراقبون السماء، مترقبين متى ستقترب منهم المسيرة الثانية أو الثالثة. كانت شركات الشحن البحري في كوبنهاغن، جنيف، هامبورغ، وسنغافورة منشغلة بمراجعة حساباتها، فقد أغلق مضيق هرمز فعلياً. ربما تلك السفن التي كانت تنتظر وصولها بعد أيام أو أسابيع إلى موانئها، لن تراها مرة أخرى.
ما حدث بعد شهر ليس أزمة عادية، وليست مجرد مشكلة يمكن حلها بتغيير مسار إلى آخر. ما حدث، كما ذكرت وكالة الطاقة الدولية (IEA)، هو "أكبر تحدٍ لأمن الطاقة العالمي مسجل في التاريخ". ومع كل هجوم صاروخي، كانت موانئ الدول العربية في الخليج تزداد ظلمة.
من 138 سفينة يومياً إلى 3 سفن فقط
لفهم ما حدث للاقتصاد البحري في الخليج في مارس 2026، يجب أن نأخذ هذا الرقم بعين الاعتبار: 138. كان هذا هو متوسط عدد السفن التي تمر يومياً عبر مضيق هرمز قبل بدء الحرب "عملية الغضب الأسطوري" (Operation Epic Wrath) الأمريكية الإسرائيلية في 28 فبراير؛ سفن نفط، سفن غاز مسال (LNG)، سفن حاويات، سفن نقل سيارات ومواد كيميائية. كانت جميع أنواع السفن التجارية تمر عبر ذلك الممر المائي البالغ عرضه 33 كيلومتراً بين سواحل إيران وعمان للحفاظ على انسيابية التجارة العالمية.
ولكن بحلول 17 مارس، انخفض هذا الرقم إلى ثلاث سفن فقط. تلك السفن الثلاث التي كانت تراقبها منظمة (UANI)، لم تكن ترفع علم أي دولة من دول الناتو أو تتبع كبرى الشركات التجارية العالمية. كانت تبحر بمحاذاة السواحل الإيرانية وتعمل وفق نظام "الموافقة المسبقة" الذي وضعته طهران من جانب واحد؛ حيث لا يسمح بالمرور إلا لحلفاء إيران وشركائها التجاريين، بينما يمنع مرور سفن الدول الأخرى.
لم يكن هذا الانهيار بسبب الألغام البحرية فحسب، رغم أن إيران بدأت بزرعها. كما لم يكن بسبب الـ 21 هجوماً المؤكداً على السفن التجارية في الأسابيع الثلاثة الأولى فقط. الأداة التي أغلقت مضيق هرمز حقاً وحولت التهديد العسكري إلى كارثة اقتصادية كانت "التأمين".
في الأيام التي سبقت الهجمات، كان تأمين مخاطر الحرب للسفن يبلغ 0.125% من قيمة السفينة. بالنسبة لناقلة نفط عملاقة، كانت هذه تكلفة معقولة، ولكن في غضون ساعات من الرد الإيراني، ارتفع السعر إلى 0.2% ثم 0.4%؛ أي زيادة بأكثر من ربع مليون دولار لكل رحلة عبور. بعد ذلك، انسحبت شركات التأمين تماماً. لم تنتظر شركة ميرسك (Maersk) الدنماركية اصطدام لغم بسفنها، بل أوقفت جميع رحلاتها إلى الخليج قبل نهاية الأسبوع الأول. وحذت شركات (MSC, Hapag-Lloyd, CMA CGM) حذوها. فُرض حصار مالي لم يكن بإمكان أي سفينة حربية إيرانية أن تفرضه بمفردها من قبل سوق التأمين العالمي.
اليوم الذي توقف فيه جبل علي
في دبي، يطلقون على "جبل علي" لقب "المحرك". والإحصائيات تبرر هذه التسمية؛ سنوياً، يتم نقل 15.5 مليون حاوية عبر جبل علي إلى أكثر من 150 ميناء حول العالم. والأهم من ذلك، أنه يساهم بنسبة 36% من إجمالي الناتج المحلي (GDP) لدبي. عندما يعمل جبل علي، تعمل دبي. وعندما يتوقف، تصبح الأرقام مرعبة.
تجلت الكارثة التجارية بكل أبعادها عندما توقف ميناء جبل علي في 1 مارس 2026. كان السبب هو اندلاع حريق في إحدى المحطات نتيجة حطام صاروخ إيراني. خلال الحرب، أطلقت إيران 357 صاروخاً باليستياً، 1806 طائرات مسيرة، و15 صاروخ كروز باتجاه الإمارات، تم اعتراض معظمها من قبل أنظمة الدفاع الإماراتية بتكلفة لم تكشف عنها وزارة الدفاع، لكنها تقدر بمليارات الدراهم. تم السيطرة على الحريق، لكن أمن الميناء لم يتحقق.
أدى توقف عمليات (DP World) إلى كارثة متسلسلة. المنطقة الحرة للميناء، التي تضم أكثر من 7000 شركة، بما في ذلك 500 شركة صينية تتخذ من جبل علي مركزاً لتوزيع بضائعها في المنطقة، دخلت في حالة طوارئ. أُغلق مطار دبي الدولي عدة مرات، ونُقل السياح إلى الملاجئ. أوقفت شركة طيران "الإمارات" رحلاتها. وتضرر "برج العرب"، رمز دبي، بسبب حطام الصواريخ الاعتراضية. تصاعد الدخان في أبراج "دبي مارينا"، وسقطت طائرة مسيرة بالقرب من فندق "فيرمونت ذا بالم" (Fairmont The Palm).
كتب موظف في القطاع المالي في قطر بسخرية مريرة على منصة (X)، بينما كان يلتقط صوراً للصواريخ من شرفته: "جئت إلى قطر للهروب من الضرائب، والآن أهرب من الصواريخ وأختبئ".
ظهرت الآثار المالية على الفور. علقت بورصة أبوظبي وسوق دبي المالي التداول في اليومين الأولين؛ وكان هذا أول إغلاق للسوق بسبب الحرب في تاريخ الإمارات. وعندما فُتحت، انخفض سوق دبي المالي بنسبة 5.2%. وعلى المستوى العالمي، انخفضت مؤشرات "داو جونز" و "S&P 500"، وانهارت أسهم شركات الطيران.
يقول ماركو كولانوفيتش، الاستراتيجي السابق في (JPMorgan): "دبي، التي يعتمد 88% من اقتصادها على الأجانب والسياحة والتمويل والطيران، قد تلحق ضرراً جسيماً بالعالم إذا استمر هذا الوضع". وبلغت خسائر السياحة في دول الخليج بسبب إغلاق الأجواء 40 مليار دولار، بعد أن تعطلت رحلات عطلة رمضان تماماً.
حسابات النفط
إذا كان وضع جبل علي يشبه "الدراما"، فإن النفط يمثل "التراجيديا".
قبل الحرب، كان يمر حوالي 20 مليون برميل نفط يومياً عبر هرمز؛ أي خمس إجمالي النفط المنقول بحراً في العالم. كما كان يتم نقل 80 مليون طن من الغاز المسال (LNG) سنوياً، وهو ما يمثل 12-14% من احتياجات أوروبا من الغاز. ويتم تأمين 84% من النفط الخام للأسواق الآسيوية عبر مضيق هرمز. الصين كانت تحصل على ثلث نفطها من هذا الممر، واليابان كانت تشتري 95% من نفطها من دول الخليج.
أعلن البنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس أن هذا الحدث، من حيث حجم تعطل الإمدادات العالمية، أكبر بثلاث إلى خمس مرات من أي صدمة نفطية سابقة (مثل أعوام 1973، 1979 و1990). إغلاق هرمز في 2026 يهدد باختفاء 20% من إمدادات الطاقة العالمية.
وبحلول 6 مارس، أظهرت بيانات شركة (Vortexa) أن صادرات النفط الخليجية انخفضت بنسبة 72% في أسبوع واحد. وتوقفت صادرات العراق عبر البصرة تماماً. ولم يكن لدى الكويت أي أنابيب بديلة. حاولت السعودية تحويل نفطها إلى "خط أنابيب شرق-غرب" باتجاه البحر الأحمر، لكن قدرة هذا الأنبوب تبلغ 7 ملايين برميل فقط، وهو أقل من ربع إنتاج الخليج قبل الحرب.
في قطر، اتخذت الأزمة شكلاً أكثر تدميراً. أوقفت شركة (Qatar Energy) الإنتاج في "راس لفان" تماماً بعد هجمات إيرانية مباشرة على منشآتها. ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنسبة 40% في الأسبوع الأول فقط. وقُدرت خسائر قطر نتيجة توقف الغاز لمدة شهر واحد بـ 4 مليارات دولار.
وصرح خبراء من (تشاتام هاوس) في هذا الصدد بأن "استمرار إغلاق هرمز قد يوصل سعر خام برنت إلى 200 دولار للبرميل؛ وهو مستوى سيؤدي بالتأكيد إلى ركود اقتصادي عالمي".
هوية مدينة تحت النيران
هناك نوع من الجروح يصعب قياسه أكثر من الفرص التجارية الضائعة أو الرحلات الملغاة؛ ألا وهو جرح "تصور المدينة لنفسها".
قضت دبي 40 عاماً في بناء شيء فريد: قصة "التميز" في منطقة غير مستقرة. كانت مدن الخليج الأخرى تمتلك النفط، لكن دبي كانت تمتلك الرؤية. أنشأت مطاراً أصبح الأكثر ازدحاماً في العالم، وامتلكت ميناءً ينقل حاويات أكثر من أي مكان في أمريكا وأوروبا. كان الوعد هو أن دبي آمنة، منفتحة، ومحل ثقة. كانت الحروب دائماً خلف حدود دبي.
منذ 1 مارس 2026، تعرضت تلك الثقة لهجوم لا يقل ضراوة عن الهجوم على البنية التحتية المادية. سقط حطام الصواريخ في مناطق "البرشاء" و "نخلة جميرا". وأعلنت شركة (AWS) عن إصابة مركز بياناتها؛ ربما تكون هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي تتضرر فيها البنية التحتية لـ "السحابة" (Cloud) لشركة كبرى في حرب. كانت "دبي الرقمية" أيضاً تحت النيران.
يقول نبيل ملال، مدير الاستثمار في (Edmond de Rothschild): "هناك خطر بنسبة 70% أن تظل آثار الحرب على هذه المنطقة لفترة طويلة..". المقارنة بين دبي وبيروت، التي كانت سابقاً العاصمة المالية للمنطقة ودُمرت في السبعينيات بسبب الحرب الأهلية، هو أمر يتحدث عنه بعض الخبراء الآن بحذر. وكل اقتصادي يأمل أن لاتحدث ذلك لدبي ص أن يتعافى بيروت.
تغيير مسار العالم
وسط الفوضى في الخليج، لم يبقَ أمام نظام النقل العالمي سوى خيار واحد: اتخاذ الطريق الطويل. أي طريق (رأس الرجاء الصالح ) Cape of Good Hope الذي يلتف حول جنوب أفريقيا ويربط آسيا وأوروبا، خاصة بعد أن أعلن الحوثيون يوم السبت انضمامهم للحرب دعماً لإيران.
اتخذت السعودية والإمارات طرقاً بديلة بسرعة كبيرة. قامت أرامكو بتفعيل خط أنابيب "شرق-غرب". وأوصلت الإمارات نفطها عبر خط أنابيب إلى "الفجيرة" على بحر العرب. واستخدمت شركات النقل الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية لنقل البضائع من موانئ البحر الأحمر إلى داخل البلاد.
لكن الحقيقة المرة هي أن قطر والكويت والبحرين ليس لديها أي طرق برية بديلة سوى المرور عبر هرمز أو الأراضي السعودية. سكان هذه الدول يعتمدون على الأغذية المستوردة، ومستشفياتهم تستخدم أدوية مستوردة. إغلاق هرمز لفترة طويلة يعني بالنسبة لهذه الدول نفاذ الاحتياجات الأساسية.
في غضون ذلك، كانت روسيا هي المستفيد الأكبر. فالنفط الروسي، الذي كان ممنوعاً من الوصول إلى أوروبا بسبب العقوبات، شهد طلباً كبيراً من قبل الهند والصين، حيث اعتُبر مصدراً بديلاً ومستقراً مقارنة بنفط الخليج.
حجم الخسائر
بعد شهر من الحرب مع إيران، لا يزال حجم الخسائر في ازدياد:
