في ظل التحولات الدراماتيكية التي يشهدها الشرق الأوسط والأزمات التي تعصف بالمنطقة حيث تتصادم إرادات القوى العظمى وتتحول فيه لغة السلاح إلى الوسيلة الطاغية للتعبير عن المصالح السياسية، يبرز اسم رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، كأحد القلائل الذين يتبنون "عقيدة الدولة" القائمة على الحكمة والاتزان.
فهو ليس قائداً سياسياً فحسب، بل مهندساً لـ"دبلوماسية التوازن" في زمن الانكسارات، هو الرجل الذي يثبت يوماً بعد يوم أن القيادة الحقيقية لا تقاس بالخطابات الرنانة، بل بالقدرة على إخماد الحرائق وبناء الجسور وسط ركام الصراعات، ليقف كـ"جبل أشم" في وجه أعاصير الفوضى التي تضرب المنطقة.
لطالما انتهج نيجيرفان بارزاني رؤية ثاقبة تضع الحوار فوق كل اعتبار، هذه الرؤية لم تكن مجرد خيار تكتيكي، بل هي إيمان راسخ بأن استقرار إقليم كوردستان والعراق مرتبط جذرياً بالتعايش السلمي وتصفير المشكلات مع الجوار والشركاء في الوطن، ليتحول الإقليم بفضل دبلوماسيته الهادئة إلى نقطة ارتكاز إقليمية، وواحة للتسامح في محيط مضطرب، حيث استطاع كسب ثقة المجتمع الدولي والقوى الإقليمية المتناقضة في آن واحد، فبجهوده الدبلوماسية استطاع أن يبني جسوراً من الثقة مع عواصم القرار العالمي، مما جعل الإقليم رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه.
ويُعد نيجيرفان بارزاني امتداداً لنهجٍ تاريخي، فبينما صقلت تضحيات الأب الروحي للأمة الكوردية الخالد ملا مصطفى بارزاني في وجدانه مبادئ الثبات والسيادة، استلهم من والده الراحل إدريس بارزاني، "مهندس المصالحة الوطنية"، عبقرية الحوار وبناء جسور السلام، واليوم، يبرز التناغم المصيري بين حكمة الرئيس مسعود بارزاني ودبلوماسيته كحائط صدٍ منيع يحمي كوردستان من التحديات الإقليمية، مؤكداً للعالم أن الإقليم عصيٌّ على الترهيب بفضل قيادةٍ تمزج بين إرث "البيشمركة" وروح المصالحة الوطنية، ليثبت للعالم أن إقليم كوردستان ليس "لقمة سائغة" لمسيرات الغدر أو لسياسات الترهيب.
إن المحاولات اليائسة لزعزعة هذا الاستقرار، والتي تمثلت مؤخراً في استهداف منزله في دهوك عبر طائرات مسيرة "منفلتة"، لا يمكن قراءتها إلا كفعل عدائي ضد "مشروع السلام" الذي يمثله بارزاني، فهذا الاستهداف ليس مجرد اعتداء على شخصية قيادية، بل كان إعلان حرب سياسي ضد مشروع "الدولة والحكمة" الذي يقوده هذا الرجل، واستهداف مباشر للسلم الأهلي ولمكانة الإقليم كنموذج ناجح للإدارة والتعايش في المنطقة، كما يعد محاولة لترهيب الرموز الوطنية التي تدعو للتهدئة وتكشف عن رغبة الأطراف المعتدية في جر المنطقة إلى فوضى شاملة، لا تخدم سوى أجندات الخراب، فهذا الاعتداء الغادر يبرهن على ضيق ذرع "الأطراف المنفلتة" بمنهج الحكمة الذي يتبناه بارزاني والذي يرفض أن يكون إقليم كوردستان ساحة بريد لرسائل الدم الإقليمية، فهم يدركون أن قوته لا تكمن في الترسانة العسكرية، بل في جسور الثقة التي بناها مع المجتمع الدولي ومع المكونات العراقية المختلفة، استهداف منزله هو محاولة لجر الإقليم إلى مربع "الفوضى المسلحة" التي ترفضها القيادة الكوردستانية جملة وتفصيلاً.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
يأتي هذا التصعيد في الوقت الذي تعيش المنطقة حالياً ذروة الصدام بين المحور الإيراني من جهة، والمحور الأميركي - الإسرائيلي من جهة أخرى، ففي هذا المشهد المعقد، تسعى بعض القوى زج إقليم كوردستان في محرقة لا ناقة له فيها ولا جمل، عبر تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية وتوجيه رسائل ضغط سياسية وعسكرية، مستغلةً التوترات لتنفيذ أجندات خارجية تضرب سيادة العراق واستقرار الإقليم.
وسط هذا الاستقطاب الحاد، يقف نيجيرفان بارزاني سداً منيعاً برؤيته التي ترفض زج الكورد والعراقيين في حروب الوكالة، فهو الذي ترعرع في خنادق النضال وشرب من نبع "البارزاني الخالد"، يدرك أن حماية الإقليم تتطلب توازناً دقيقاً، والتمسك بمؤسسات الدولة، والعمل مع الشركاء الدوليين لضمان عدم تحول كوردستان إلى "صندوق بريد" لرسائل النار بين القوى المتصارعة، ليثبت للعالم أن كوردستان ليست طرفاً في صراعات المحاور، بل هي "طرف" في صناعة السلام والمستقبل.
إن التقدير الذي يحظى به نيجيرفان بارزاني اليوم نابع من إدراكه العميق بأن "لغة الرصاص" مؤقتة، بينما "لغة الحوار" هي التي تبني الأوطان، فهو يرفض الانجرار إلى ردود الفعل العاطفية، ويتمسك بالنهج الدبلوماسي كطريق وحيد لحفظ المكتسبات، كما إن ثباته أمام الضغوط الخارجية والتهديدات الأمنية يؤكد أن إقليم كوردستان سيظل عصياً على الانكسار أمام الأجندات التي تسعى لتصدير أزماتها إلى الداخل الكوردستاني، ليعلم القاصي والداني أن إرادة شعب كوردستان لا تنكسر، وإن كل صاروخ أو مسيرة تستهدف بيوت القادة المخلصين ما إلا هو استهداف لكل قيم التسامح والتعايش، وتزيد من تلاحم الكوردستانيين حول قيادتهم، وستتحطم كل المسيرات المنفلتة على صخرة الصمود الكوردستاني التاريخي، ليبقى الإقليم شامخاً كنموذج للتعايش ومظلة للأمان.
