في ساحة التوازن العراقية، يتعرض إقليم كوردستان إلى أكبر موجة هجمات صاروخية وجوية تعصف باستقراره السياسي والأمني، والذي طالما كان الميزة الأهم التي يتمتع بها دون سواه في باقي أجزاء العراق الأخرى.
اليوم أمام أزمة جديدة وهي الأخطر ربما خلال عقود من الزمن، بدليل إستهداف مقرات ومنازل الهرم الأعلى في كوردستان والمتمثلة بالزعيم كاك مسعود بارزاني ورئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني.
رسالة سياسية في توقيت حرج
لا يأتي إستهداف الرئيس مسعود بارزاني، الزعيم التاريخيّ للحزب الديمقراطي الكوردستاني، ورئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، صدفة. هذا الإستهداف الشخصي في هذا الوقت بالذات – وسط تصعيد التوترات الإيرانية الأميركية في المنطقة – يحمل رسالة واضحة: مشروع لكسر الإقليم سياسياً وأمنياً وإضعاف قدرته على المناورة الدبلوماسية.
كاك مسعود بارزاني، بتاريخه الطويل في التعامل مع واشنطن والغرب عبر أكثر من نصف قرن يُرى كرمز للمقاومة الكوردية، بينما السيد نيجيرفان بارزاني يدير علاقات اقتصادية حيوية مع تركيا وأوروبا.
الإستهداف يهدف إلى إجبار كوردستان على الخضوع أو الابتعاد عن واشنطن، خاصة مع تزايد الضغط الإيراني عبر فصائله الولائية، مما يجعل أربيل هدفاً استراتيجياً لتغيير ميزان القوى الإقليمي.
و(كالعادة) الجميع استنكر الهجوم ضد قادة كوردستان و(كالعادة) سيتم تشكيل لجنة للتحقيق في هذا الخرق الأمني، والجميع يعلم أن الوزارات والوزراء والقوات الأمنية ورئيس الوزراء لا يستطيعون مجابهة ولا مواجهة الفاعل.
فمن سيجرؤ على التحقيق في قضية كبرى كهذه؟ ومن يجرؤ على إعلان النتائج الحقيقية لهذا التحقيق أصلاً؟
السياق التاريخيّ.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
. جذور الصمود الكوردي
لنعد إلى الوراء قليلاً لنفهم عمق هذا الصمود. منذ سقوط بغداد في 2003، بنى إقليم كوردستان نموذجاً فريداً من الإستقرار النسبي، مستفيداً من الدستور العراقي الذي منح الإقليم حكماً ذاتياً واسعاً. كانت هذه الفترة شهدت ازدهاراً اقتصادياً، وتحالفات دولية مع واشنطن وأنقرة، مما جعل أربيل واحة أمنية وسط فوضى الارهاب والصراعات الطائفية.
ورغم كل الضغوط، يواصل إقليم كوردستان محاولة الحفاظ على ما بناه خلال العقود الماضية: تجربة سياسية تسعى إلى قدر من الاستقرار داخل عراقٍ لايزال يبحث عن توازنه. وقد لا يكون هذا المسار سهلاً في منطقة تعيش على وقع الصراعات المستمرة، لكنه يعكس إرادة سياسية واجتماعية ترى في الاستقرار خياراً استراتيجياً لا مجرد ظرف مؤقت.
نظرة مستقبلية.. فرص التوازن الإقليمي
ومع ذلك، قد تكون هذه الأزمة فرصة لكوردستان لتعزيز تحالفاتها الدولية. في ظل التوترات الإيرانية الأميركية، يمكن لأربيل أن تلعب دور "الوسيط الهادئ"، مستفيدة من علاقاتها مع واشنطن للحصول على دعم عسكري، ومع أنقرة لتهدئة التوترات مع حزب العمال الكوردستاني.
كما يمكن أن يدفع الضغط الاقتصادي نحو تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، نحو السياحة والزراعة والتكنولوجيا، مما يعزز الاستقلالية طويل الأمد. إقليم كوردستان، باختصار، سيصمد لأنه تعلم درس التاريخ: الاستقرار هو السلاح الأقوى في ساحة الصراعات.
