في صباح 28 شباط 2026، شُنّت أولى الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية على الأراضي الإيرانية. وبحلول مساء ذلك اليوم، شهد سعر خام برنت تقلبات حادة. وبعد أسبوع واحد، وصل سعر برميل النفط "الفيزيائي" (الفعلي) في الشرق الأوسط إلى مستوى لم تشهده صناعة النفط من قبل. ما حدث لم يكن مجرد ارتفاع في الأسعار، بل كان تعطلاً منهجياً للبنية التحتية التي استغرق سوق النفط أربعة عقود لبنائها.
يعمل سوق النفط الخام العالمي وفق مسارين مختلفين: السوق الورقية (Paper Market) التي يتم تداولها عبر العقود الآجلة في بورصتي لندن ونيويورك، والسوق الفيزيائية (Physical Market) حيث يتم التفاوض على البراميل الحقيقية للنفط، وإبرام عقودها، ونقلها إلى المصافي. في الظروف العادية، يتحرك هذان السوقان معاً، لكن مع إغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب، انفصلا عن بعضهما بشكل مثير للدهشة.
السوق الورقية، التي يمثلها خام برنت، استقرت في 7 نيسان 2026 عند حوالي 110 دولارات. هذه هي الأرقام التي تظهر على شاشات "بلومبرغ" وعناوين الأخبار، لكنها ليست السعر الذي تدفعه مصافي كوريا الجنوبية أو اليابان أو ماليزيا حالياً مقابل برميل النفط. وكما يقول التجار، فإن السعر الورقي يتم التلاعب به وتخفيضه بناءً على تصريحات المسؤولين الأميركيين والإيرانيين وحديث إدارة ترامب عن وقف إطلاق النار، ليظل عند مستوى منخفض مقارنة بالواقع الموجود في السوق الفيزيائية.
أما السوق الفيزيائية فهي قصة مختلفة تماماً. يُعد مؤشر "بلاتس دبي/عُمان" (Platts Dubai/Oman) الأساس لتحديد أسعار نفط الشرق الأوسط للمصافي الآسيوية، وتنشره شركة S&P Global بناءً على عمليات البيع والشراء الحقيقية في الساعة 16:30 بتوقيت سنغافورة. هذا هو الرقم الذي تستخدمه شركات مثل "سومو" العراقية، و"أرامكو" السعودية، و"أدنوك" الإماراتية لتحديد سعر البيع الرسمي (OSP). يومياً، يتم تحديد سعر 18 مليون برميل نفط في العالم بناءً على هذا المؤشر. ومنذ بدء الحرب في إيران، تغير هذا المؤشر بطريقة لم يسبق لها مثيل في تاريخه الممتد لـ 45 عاماً.
كيف يعمل مؤشر "بلاتس دبي" ولماذا تعطل؟
لفهم السعر الذي يُباع به برميل نفط العراق أو عُمان أو الإمارات اليوم، يجب أولاً فهم آلية "بلاتس دبي". فبعد 72 ساعة فقط من الهجوم الأول، تعطلت هذه الآلية.
يتكون مؤشر بلاتس دبي من خمسة أنواع من النفط: دبي (الإمارات)، عُمان، زكوم (أبوظبي)، شاهين (قطر)، وموربان (أبوظبي). وفي 2 آذار 2026، أعلنت شركة S&P Global Platts أنها ستستبعد فوراً جميع أنواع النفط التي يتم تحميلها من داخل مضيق هرمز من المؤشر. صدم هذا القرار السوق، لأنه لم يبقِ سوى نوعين من النفط: نفط "موربان" الإماراتي (الذي يُحمل من ميناء الفجيرة خارج مضيق هرمز) ونفط عُمان.
مؤشر بلاتس دبي (الأسعار الموثقة):
قبل الحرب (متوسط شهر شباط): 68.40 دولاراً.
متوسط نفط دبي لشهر مايو (تداولات آذار): 128.52 دولاراً.
أعلى مستوى لنفط دبي خلال 52 أسبوعاً: 137.82 دولاراً.
ذروة السعر الفيزيائي لدبي (وفقاً لوسائل الإعلام): حوالي 170 دولاراً.
خام برنت (الورقي - 6 نيسان): 110.82 دولاراً.
كانت نتيجة هذا التغيير أن السوق سقطت في يد لاعب واحد كبير. استحوذ الذراع التجاري لشركة "توتال إنيرجي"، وهي شركة توتسا (Totsa)، على مركز ضخم في السوق وصفه الخبراء بأنه أكبر مركز للاعب واحد في تاريخ سوق النفط. اشترت الشركة في شهر اذار نفطاً بقيمة تقارب 4 مليارات دولار في هذا السوق، ويُقدر أنها حققت أرباحاً بلغت مليار دولار.
اشترت "توتسا" نفط دبي وعُمان قبل اندلاع الحرب بحوالي 70 دولاراً، ومع بداية الحرب في اذار وارتفاع سعر نفط عُمان إلى 120 و130 دولاراً، استمرت في شراء هذا النوع من النفط الذي كان عرضه يتناقص. وفي النهاية، في 26 من الشهر، عندما وصل سعر البرميل الذي اشترته إلى 170 دولاراً، قامت ببيعه وحققت ربحاً قدره مليار دولار.
تفاصيل صفقات شركة "توتسا" (4 مليارات دولار):
إجمالي الإنفاق لشراء نفط دبي في آذار: حوالي 4.0 مليار دولار.
شحنات النفط المستلمة من قبل توتال: 77 شحنة من أصل 82.
حجم النفط: 38.5 مليون برميل (عُمان وموربان).
الأرباح المقدرة لتوتال في تداولات آذار: حوالي 1 مليار دولار.
يقول أدي إمسيروفيتش، أحد تجار النفط المخضرمين: "هذا أمر ضخم للغاية، بالنظر إلى الوضع العام للسوق ونسبة ارتفاع الأسعار وكمية النفط المتداولة، ربما تكون هذه أكبر صفقة تجارية في تاريخ سوق النفط حتى الآن".
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
الفرق بين السعر الورقي والسعر الفيزيائي
الفرق بين السعر الورقي لخام برنت والسعر الفيزيائي لنفط دبي ليس مجرد مسألة تقنية، بل هو أهم حقيقة تجارية في سوق الطاقة العالمي اليوم، ولها تأثير مباشر على كل مصفاة في آسيا وميزانيات الدول المنتجة.
قبل الحرب، كان الفرق بين برنت ودبي (المعروف في السوق بمعامل EFS) يتراوح بين 1 إلى 3 دولارات فقط. أما الآن، وبسبب إغلاق مضيق هرمز، انقلبت هذه المعادلة. أصبح سعر نفط عُمان ودبي (الذي يمثل النفط الفيزيائي للشرق الأوسط) أغلى بكثير من برنت، لأن أسعار دبي وعُمان تعكس النقص الحقيقي في البراميل، بينما يعكس برنت سوقاً مالياً يتأثر بالتصريحات السياسية.
وفقاً لتحليلات CNBC، فإنه في الفترة بين 27 شباط و27 اذار، ارتفع سعر برنت الورقي بنسبة 36%، بينما ارتفع سعر دبي الفيزيائي في نفس الفترة بنسبة 76%. وبذلك، كانت الأسعار في السوق الفيزيائية بنهاية آذار أعلى بنسبة 40% إلى 50% مما كان يُشاهد في عناوين الأخبار.
ناقلة (أوشن ثاندر): نموذج لتسعير النفط الفيزيائي
تُعد ناقلة النفط "أوشن ثاندر" (Ocean Thunder)، التي عبرت مضيق هرمز في 4 أو 5 نيسان، واحدة من أهم الأحداث التجارية. كانت الناقلة تحمل مليون برميل من نفط البصرة الثقيل متجهة إلى مصفاة "بنغيرانغ" في ماليزيا.
لفهم تكلفة هذه الشحنة على شركة "بتروناس" الماليزية، يجب النظر في التكاليف:
سعر الشراء من "سومو" (بناءً على أسعار ما قبل الحرب): حوالي 66 دولاراً للبرميل.
تكلفة الشحن وتأمين الحرب والمخاطر: تضاف حوالي 10 إلى 12 دولاراً.
إجمالي تكلفة الوصول إلى ماليزيا: 74 إلى 78 دولاراً.
السعر الحالي لنفس الكمية في السوق: 113 إلى 125 دولاراً.
الربح التقديري في هذه الشحنة وحدها: 35 إلى 50 مليون دولار.
هذا الربح الضخم يفسر المنطق وراء الجهود الدبلوماسية التي بذلها رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم مع طهران لضمان عبور سفنه عبر مضيق هرمز دون عوائق أو ضرائب إضافية.
الأزمة ليست في السعر فحسب، بل في اختفاء النفط. يُقدر أن العالم فقد ما بين 4.5 إلى 5 ملايين برميل يومياً. ومن المتوقع بعد 19 نيسان أن ترتفع هذه النسبة إلى 9 أو 10 ملايين برميل يومياً، مع اقتراب نفاد المخزونات الاستراتيجية في الولايات المتحدة ودول أخرى. وحذرت شركة "غولدمان ساكس" من أنه إذا استمر إغلاق هرمز حتى ايار، فإن الأسعار ستكسر الرقم القياسي المسجل في 2008 (147 دولاراً).
التأثيرات على العراق وإقليم كوردستان
بالنسبة للعراق، ثاني أكبر منتج في أوبك، يمثل الوضع مفارقة عميقة؛ فمسار التصدير الرئيسي للبلاد يقع تحت رحمة جار يعيش حالة حرب. ورغم استثناء العراق من بعض القيود، إلا أن هذا يضعه تحت تبعية غير متكافئة للموافقة الدبلوماسية الإيرانية.
من جهة أخرى، رغم وصول سعر نفط البصرة إلى مستويات خيالية (113-125 دولاراً)، إلا أن الهجمات بالطائرات المسيرة على موانئ البصرة ونقص السفن جعل العراق غير قادر على الاستفادة الكاملة من هذا الارتفاع.
أما بالنسبة لإقليم كوردستان العراق، فالوضع أكثر تعقيداً. فنفط الإقليم الذي يُصدر عبر الأنبوب العراقي - التركي إلى جيهان، لا يزال يعاني من تعقيدات آلية الإيرادات بين بغداد وأربيل. والفائدة التي كان يمكن لشركات النفط جنيها من هذا الارتفاع تضيع بسبب توقف الإنتاج الناتج عن الهجمات بالمسيرات والصواريخ.
في سوق النفط الفيزيائي، لا يوجد سعر واحد، بل توجد تراتبية لـ "الوصول". بالنسبة لمشتري ماليزي يملك تصريح مرور، تبلغ تكلفة البرميل 78 دولاراً، أما بالنسبة لمصفاة يابانية أو كورية لا يُسمح لسفنها بالمرور، فإن سعر نفط الشرق الأوسط بالنسبة لها (لا نهائي) لأنها لا تستطيع الحصول عليه بأي ثمن. بيانات "بلاتس دبي وعُمان" تروي القصة بوضوح: الأسعار تتراوح بين 117 و128 دولاراً. وإذا صحت توقعات فاتح بيرول بأنه في منتصف نيسان "لن يكون هناك نفط" متاحاً، فإن السوق الفيزيائية لم تشهد ذروة أسعارها بعد.
