تعيدني أوضاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران الدائرة اليوم إلى أحداث "عاصفة الصحراء" عندما هدد الرئيس الأميركي وقتذاك، الجمهوري، جورج بوش الأب، بقصف العراق وحدد الموعد منتصف ليلة 15 كانون الثاني 1991، وما قبل ذلك وبعدها.
كان صدام حسين قد عقد قبل يومين من هذا الموعد أول مؤتمر صحفي للصحفيين العراقيين، ودعي فيه رؤساء التحرير وبعض الصحفيين البارزين الذين تجمعوا في فندق الرشيد قبل نقلهم بسيارات معتمة الزجاج إلى جهة مجهولة حيث موقع المؤتمر، ووزعت الأسئلة على بعضهم، أي أنه لم تكن هناك حرية أمام أي صحفي لطرح سؤال يرتجله في هذا المؤتمر اليتيم، وكانت جميع الأسئلة تدور حول قوة وصمود العراق لمواجهة أي هجوم من قوات التحالف التي حشدت لها 32 دولة لتحرير الكويت.
كان العراقيون على أمل وحيد وهو أن يعلن صدام حسين الانسحاب من الكويت لتجنيب البلد والشعب كارثة حقيقية، لكنه لم يقدم على هذا الانسحاب بل وجه رسالة إلى القوات المسلحة المعزولة في حفر الباطن بأنه إذا "سمعتم خطاب أو نداء أو طلب بصوتي بالانسحاب فلا تفعلوا لأن ذلك سيكون مزيف وغير حقيقي"، وهذا الأمر العسكري كان بمثابة المذبحة الحقيقية للقوات العراقية في صحراء منعزلة وهم بلا طعام ولا ماء ولا خطوط مواصلات وبلا غطاء جوي. وما زاد الأمر سوءاً أو خيبة أمل للعراقيين هو رد صدام على الكاتب السياسي أمير الحلو وكان رئيساً لتحرير جريدة القادسية عندما سأل: "سيدي الرئيس.. العراقيون يسألون ويريدون أن يعرفوا هل سننسحب من الكويت أم لا؟" وجاء رد صدام حسين حاسماً وقوياً: "عبد الأمير.. الكويت كويتكم وأقفل على الهدف"، ثم ترك المكان.
في اليوم التالي، 16 كانون الثاني 1991، نُحرت الإبل بحضور لطيف نصيف جاسم، وزير الثقافة والإعلام، لأن بوش لم يقصف العراق بالموعد المحدد، وهذا يعني اجتياز مرحلة الخطر. رافق ذلك إعلان رسمي صادر من القيادة يقول إنه سيتم إطلاق صافرات الإنذار التجريبية وهي ليست حقيقية بل لأغراض الفحص. لكن في الساعة الثانية، أو قبلها بقليل، ليلة 16 على 17 من نفس الشهر، أي بعد يومين من الموعد الذي حددته أميركا، اهتزت بغداد، بل العراق كله، ودوت الانفجارات في كل مكان وقطع التيار الكهربائي والاتصالات، قبل أن تنطلق أصوات صافرات الإنذار المتأخرة بينما الناس في حيرة: هل هذه الانفجارات وهمية وتجريبية أم حقيقية؟ لكنها كانت بالتأكيد حقيقية لأن بيوتنا تحركت من مكانها وتحطم زجاج نوافذنا إيذاناً ببدء مرحلة قاسية للغاية استمرت لأسابيع تهدمت خلالها الجسور والبنية التحتية لتنتهي باستسلام القيادة في خيمة صفوان المذلة ومذبحة الجيش العراقي خلال انسحابه على الحدود العراقية الكويتية.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
يذكر جيمس بيكر، وكان وزير الخارجية ورئيس أركان البيت الأبيض في إدارة الرئيس جورج بوش الأب، ما حدث في لقائه مع طارق عزيز قبل نشوب الحرب، قائلاً: "في اللقاء الثاني مع طارق عزيز في محاولة لإقناع صدام حسين بالانسحاب من الكويت قلت له: إذا نشبت المعركة لن نسمح لأي دولة في العالم مهما كانت أن تتدخل أو تتوسط وتوقف ضرباتنا حتى نحطم العراق.. وهذا ظرف فيه رسالة من بوش لصدام، لكن عزيز رفض أخذ الظرف فقلت له: إذن اسمع، إذا بقيتم بعنادكم سنعيد العراق لعصر ما قبل الصناعة. فأجاب: ونحن بلد حضارته ستة آلاف سنة.. بقينا ستة أشهر نطلب من صدام الانسحاب وذكرناه بما سيحدث للشعب، لكنه أجاب: شعبنا صامد ويتحمل وليس مثلما تتوقعون".
أتذكر هذه الأحداث جيداً اليوم مع متابعة تهديدات وإنذارات الرئيس الأميركي، الجمهوري أيضاً، دونالد ترمب بتحطيم إيران و"فتح بوابة الجحيم" عليها، وإعادتها إلى العصر الحجري، وما أضافه اليوم، 7 نيسان 2026 عبر منصته "تروث سوشيال"، محذراً من "موت حضارة بأكملها" في إيران إذا لم تستجب البلاد لإنذاره النهائي بقبول مطالب الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.
هل أقول إن (عناد) القيادة الإيرانية اليوم بعدم تنفيذ المطالب الأميركية وتعريض البلد لتهديم ما تبقى من البنية التحتية للطاقة وبرامج الطاقة الذرية والمصانع الحربية والمدنية وسلاح الجو والبحرية والسلاح البري التي أُنفقت مئات المليارات من الدولارات لبنائها وحُرمت الشعوب الإيرانية منها على مدى عقود من الزمن، إضافة إلى مقتل الآلاف من الإيرانيين ضمنهم القادة الإيرانيين وفي مقدمتهم المرشد الأعلى لإيران، علي خامنئي، يستحق التضحية باعتبارهم يدافعون عن مصير بلدهم وكرامتهم؟ وهل تستحق كل هذه التضحيات ما جرى وما سيجري ونبرر موقفهم؟ أم أن علينا أن نذكرهم بما حدث للعراق نتيجة عناد صدام حسين وإصراره على عدم الانسحاب من الكويت وتعريض العراق للخراب الذي نعاني منه حتى اليوم؟ هناك من سيقول إن الأمر مختلف، فهناك صدام قام بغزو بلد آمن ومستقل، الكويت، وهنا إيران تعرضت لعدوان أميركي إسرائيلي، لكن النتيجة ستكون واحدة إن نفذ ترمب تهديداته وشنت القوات الأميركية المزيد من الهجمات المدمرة على إيران.
