في أزقة قامشلو، حيث يختلط عبق التوابل بهواء "دجلة"، لا يمر يوم دون ذكر "نادي الجهاد"، هذا الكيان الذي لم يكن يوماً مجرد فريق لكرة القدم، بل كان "سفيراً فوق العادة" لمدينة التنوع والجمال، لكن اليوم يبدو هذا السفير مثقلاً بالجراح، يصارع للبقاء في ظل أزمات مالية خانقة وقرارات يصفها عشاقه بالـ "مجحفة" التي تكاد تقتلع جذور مدرسة كروية عريقة.
مدرسة المواهب.. تاريخ من الذهب
تأسس نادي الجهاد عام 1962، وسرعان ما تحول إلى "خزان" لا ينضب للمنتخبات الوطنية السورية، من لا يتذكر الهداف التاريخي الراحل هيثم كجو؟ أو مهارات عمار يوسف وجومرد موسى وقذافي عصمت؟.
كان الجهاد يُعرف بـ "بعبع الشمال" الذي يخشاه الكبار في دمشق وحلب واللاذقية حين يزورون ملعب قامشلو البلدي، ميزة النادي التاريخية كانت تعمده على أبناء النادي (الترفيع من القواعد)، مما خلق تجانساً قلّ نظيره، لكن هذه الميزة تحولت بمرور الزمن إلى نقطة ضعف حين دخلت الكرة السورية عصر "الاحتراف المادي" دون أن يمتلك النادي الأدوات.
النزيف المالي.. رحلة البحث عن "رغيف" البقاء
يعيش نادي الجهاد اليوم أسوأ مراحله المالية، يكمن لب المشكلة في عدة نقاط:
-غياب الريع الاستثماري، حيث يفتقر النادي لمشاريع استثمارية ثابتة (محال تجارية، عقارات) تضمن له دخلاً شهرياً، مما يجعله يعتمد على المنح الحكومية المحدودة والتبرعات الفردية.
-ضريبة الجغرافية، واضطرار النادي للعب معظم مبارياته خارج أرضه بسبب الظروف الأمنية أو قرارات اتحادية، يحمّل الخزينة أعباء "الإقامة والسفر" التي تلتهم ميزانية الفريق قبل منتصف الموسم.
-هجرة الداعمين، في ظل الظروف الراهنة، انكفأ الكثير من التجار ورجال الأعمال عن تقديم الدعم السخي الذي كان يحظى به النادي سابقاً، تاركين الإدارة في مواجهة المجهول.
قرارات "خارج المستطيل الأخضر"
يتحدث الشارع الرياضي في قامشلو بمرارة عن "استهداف ممنهج" للنادي من خلال قرارات اتحادية:
-الحرمان من الأرض، فلسنوات طويلة، حُرم الجهاد من اللعب على ملعبه وبين جمهوره، وهو ما اعتبره الخبراء "نصف هزيمة" مسبقة في كل مباراة.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
-القرارات الانضباطية، ففي مواسم مفصلية، صدرت قرارات بهبوط النادي أو شطب نقاط منه نتيجة إشكاليات قانونية أو إدارية، يراها أنصار النادي أنها طُبقت بـ "عين واحدة" بينما تم التغاضي عن مخالفات أكبر لأندية أخرى تمتلك نفوذاً أقوى في مراكز القرار الرياضي.
-التهميش الإداري، حيث يرى المتابعون أن تمثيل النادي في لجان الاتحاد الرياضي العام ضعيف، مما يجعله الحلقة الأضعف عند اتخاذ قرارات مصيرية تخص جدول الدوري أو توزيع المنح.
الصرخة الأخيرة (شهادات ميدانية)
يقول أحد المدربين السابقين للنادي (فضل عدم ذكر اسمه): "نحن لا نلعب ضد خصم في الملعب فقط، نحن نلعب ضد الجوع، وضد التعب من السفر لساعات، وضد الشعور بأننا غرباء في دورينا".
بينما يؤكد أحد مشجعي "رابطة مشجعي الجهاد" أن الجمهور مستعد للتضحية، لكن "اليد الواحدة لا تصفق"، فالنادي بحاجة لقرار سياسي رياضي جريء يعيد له اعتباره.
هل يلفظ "الجهاد" أنفاسه الأخيرة؟
إن بقاء نادي الجهاد على قيد الحياة حتى الآن هو "معجزة رياضية" بحد ذاتها، لكن المعجزات لا تستمر للأبد.
المطلوب اليوم ما يلي:
-تحرك عاجل من الاتحاد الرياضي العام لجدولة ديون النادي وتقديم دعم استثنائي.
-فتح باب الاستثمارات المحلية لرجال الأعمال في قامشلو لتبني فرق القواعد.
-إعادة الحق للنادي باللعب على أرضه لضمان عودة الروح للمدرجات واللاعبين.
سيبقى نادي الجهاد غصة في حلق التهميش، لكنه يحتاج إلى من ينتشله من بئر الإفلاس قبل أن يكتب التاريخ نهاية حزينة لقلعة قامشلو الكروية.
قامشلو لا تليق بها الهزائم، والجهاد ليس مجرد فريق، إنه نبض الشارع. فهل من مجيب؟.
