رووداو ديجيتال
توجَّه موكب سيارات جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، في الساعة 4:30 من صباح اليوم الأحد (12 نيسان 2026)، بتوقيت أربيل، إلى قاعدة (نور خان) الجوية. كانت تلك نهاية باردة لـ 21 ساعة من المفاوضات الماراثونية التي لم تتمكن من إرساء سلام دائم بين واشنطن وطهران. وقبل صعوده إلى طائرة (Air Force Two)، أعلن فانس: "لم نتمكن من الوصول إلى وضع يكون فيه الإيرانيون مستعدين لقبول شروطنا". وغادر نائب الرئيس الأميركي بلداً تغيرت خريطته الاقتصادية بالكامل بسبب أربعين يوماً من الحرب الطاحنة.
في الوقت الذي تبرد فيه القنوات الدبلوماسية في باكستان، بدأ حجم الخسائر والدمار المقدر في الداخل الإيراني يتكشف. فالنماذج الاقتصادية التي تم بناؤها عبر البيانات الرسمية والأرقام التقديرية، تكشف أن 40 يوماً من الحرب قد كبدت إيران خسائر اقتصادية تقارب 132 مليار دولار، وهو ما يعادل 37% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد.
بالنسبة لبلد تعرض لهجوم في 28 شباط وكان يعاني مسبقاً من تضخم بنسبة 43% ويبلغ إجمالي ناتجه المحلي 356 مليار دولار، فإن الخسائر الاقتصادية هائلة. ووفقاً لبيانات شركات مراقبة الحركة البحرية مثل (كيبلر) و(تانكر تراكرز)، تمكنت إيران خلال الأيام الـ 17 الأولى من الحرب من تصدير ما يقرب من مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يعادل حوالي 59% من متوسط صادراتها النفطية قبل الحرب والذي بلغ 1.69 مليون برميل.
هذا الصمود كان نتيجة استراتيجية مخططة، حيث توقع المسؤولون الإيرانيون أن تهاجمهم الولايات المتحدة وإسرائيل، ولذلك رفعوا صادراتهم النفطية في شباط، قبل الحرب، إلى 2.04 مليون برميل يومياً، بزيادة قدرها 21% عن المتوسط السنوي لصادرات النفط الإيرانية. وكشفت شركة الاستشارات (فورتيكسا) أن إيران خزنت في شهر كانون الثاني 170 مليون برميل من النفط الخام في عرض البحر. ومن خلال سيطرتها الانتقائية على مضيق هرمز، بفتحه للدول الحليفة وإغلاقه في وجه خصومها، تمكنت إيران من حماية شريان إيراداتها الرئيس.
مع ذلك، لم يمنع تصدير النفط تدمير العمود الفقري للصناعة المحلية الإيرانية. ففي حين لم يلحق أي ضرر بمستودعات النفط الخام الـ 55 في جزيرة خرج حتى 14 آذار، إلا أن البنية التحتية في مناطق أخرى من البلاد تعرضت لأضرار مادية مباشرة تتراوح قيمتها بين 28 و45 مليار دولار. كانت الهجمات دقيقة للغاية؛ حيث تم تدمير محطة كهرباء كرج وخطوط نقل الكهرباء الحيوية، مما أدى إلى توقف عشرات المحطات الكهربائية. وفي عسلوية، أدى تدمير أربع وحدات لمعالجة غاز (بارس الجنوبي) إلى قطع شريان الطاقة المحلي للبلاد. قبل الحرب، كان حقل بارس الجنوبي قد سجل أعلى مستوى إنتاج له بواقع 730 مليون متر مكعب يومياً؛ لكن هذا الرقم انخفض الآن، مما تسبب في توقف الإنتاج المحلي الذي تقدر خسائره بما بين 35 و50 مليار دولار.
هذه النتائج كارثية على المواطنين الإيرانيين العاديين.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
فقد انخفض إنتاج المصانع بنسبة تتراوح بين 40% و60%، وتراجع قطاع الخدمات ومبيعات التجزئة بنسبة تتراوح بين 30% و45%، في وقت انهارت فيه ثقة المستهلك وبلغ تضخم أسعار المواد الغذائية 105%. وفي أصفهان، توقف الإنتاج بالكامل في شركة مباركة للصلب، التي تعد واحدة من أكبر المجمعات الصناعية في إيران. كما انهار قطاع النقل والخدمات اللوجستية في البلاد، حيث انخفضت طاقته بنسبة 60% إلى 80%، خاصة بعد استهداف جسر B1 في كرج وبنى تحتية أخرى للنقل.
ويُقدر أن زيادة النفقات وانهيار إطار الميزانية الإيرانية قد تسببا في خسائر إضافية تتراوح بين 18 و28 مليار دولار. وحتى لو بقيت الصادرات عند مستوى 60% من مستواها قبل الحرب خلال النصف الأول منها، فإن الحكومة تواجه عجزاً في الإيرادات يستحيل سده. ويشير صندوق النقد الدولي (IMF) إلى أن ميزانية إيران تحتاج إلى سعر نفط يبلغ 163 دولاراً للبرميل لتحقيق التوازن. وللصمود، لجأ البنك المركزي إلى طباعة عملة الطوارئ وأصدر ورقة نقدية جديدة بقيمة مليون تومان، وهي أكبر فئة نقدية في تاريخ البلاد، في محاولة لتعويض العجز السنوي الذي ارتفع إلى ما بين 25 و40 مليار دولار.
كما أدت الحرب إلى نزوح كبير لرؤوس الأموال. وتقدر الخسائر الناجمة عن هروب رأس المال وانهيار قيمة العملة الوطنية بعد الحرب بما يتراوح بين 22 و28 مليار دولار. قبل الحرب، بلغ حجم خروج رؤوس الأموال 14 مليار دولار في الأشهر التسعة الأخيرة من عام 2024، لكن الحرب والغموض السياسي الذي أعقب انتشار خبر مقتل المرشد الأعلى السابق للجمهورية الإسلامية الإيرانية، علي خامنئي، سرّعا من هذه العملية. علاوة على ذلك، تقدر الخسائر في رأس المال البشري والتكاليف غير المباشرة بما يتراوح بين 17 و22 مليار دولار.
في حين يعود جي دي فانس إلى واشنطن خالي الوفاض، يبدو أن الضرر الاقتصادي الذي لحق بإيران سيكون طويل الأمد وسيستغرق إصلاحه سنوات عديدة. ومن المتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي لإيران بنسبة 20% إلى 28% بحلول عام 2026، وأن يستمر التعافي الاقتصادي حتى عام 2031. وإذا انهار وقف إطلاق النار واستهدفت الهجمات المستقبلية البنية التحتية النفطية في جزيرة خرج، فمن المقدر أن يصل إجمالي الخسائر المتراكمة إلى 260 مليار دولار، مما يدخل البلاد في أزمة اقتصادية كبرى شبيهة بأزمة ليبيا بعد عام 2011.
إن خسارة 132 مليار دولار هي تقدير متحفظ، وتثبت أنه على الرغم من تمكن إيران من الحفاظ على إيراداتها النفطية لفترة من الوقت، إلا أن تكلفة الحرب تُقاس بما هو أكثر بكثير من مجرد براميل النفط الخام. هذه قصة بنية تحتية تحتاج إلى سنوات لإعادة إعمارها، وقصة انهيار مؤسسات وفقدان جيل من رأس المال البشري. وكما حذرت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، في 9 أبريل: "حتى في أفضل السيناريوهات، لا توجد عودة سريعة ونظيفة إلى الوضع السابق". بالنسبة لإيران، انتهت حرب الأربعين يوماً وأُعلن عن وقف إطلاق نار مؤقت وهش بسبب فشل اجتماعات إسلام آباد، لكن يبدو أن حرب إيران الاقتصادية من أجل البقاء بصفتها دولة فاعلة قد بدأت للتو.
