قد يصاب القارئ بالدهشة عند رؤية هذا العنوان ويتساءل: كيف يمكن أن ندعو لإعادة منصب إلى العرب، وهو الذي استقر بعد إطاحة البعث كـ"حصة للكورد" ورمز لشراكة القومية الثانية في العراق؟ خاصة أن تاريخنا مع رؤساء الجمهورية العرب لم ينقش في ذاكرتنا سوى صور القمع والأنفال والقتل الجماعي، ولكن، رجاءً، توقفوا قليلاً وتأملوا هذا الواقع المر بدقة لتعرفوا لماذا أقول ذلك.
في عراق ما بعد عام 2003، رئيس الجمهورية، وفقاً للمادة 67 من الدستور، هو حامي الدستور و"يسهر على ضمان الالتزام بالدستور". ومعظم المشاكل بين إقليم كوردستان وبغداد تنبع تحديداً من عدم الالتزام بالدستور. فالطرف القوي وصاحب السلطة في بغداد لم يكتفِ بعدم تطبيق الدستور، بل وقف مراراً وبشكل علني ضد نصوصه. قد يقول بعضٌ إن بغداد توجه التهمة نفسَها إلى أربيل، ولكن بلا شك تقع المسؤولية الأولى على الطرف الأقوى؛ لأن سلطة العراق هي التي تملك مفاتيح التنفيذ، وعندما لا تفعل ذلك، فإنها تجبر الطرف المقابل على رد الفعل. وهنا يجدر بنا أن نتساءل: ما هو تأثير أربعة رؤساء جمهورية كورد في بغداد على حماية الحقوق الدستورية للكورد؟
الرئيس بارزاني، في المجلد السادس من كتاب (بارزاني والحركة التحررية الكوردية)، والمرحوم نوشيروان مصطفى في كتاب (ذكرياتي بعد عام 1991)، تحدثا باستفاضة كبيرة عن تلك الأيام وما جرى في اجتماعات بغداد المخصصة لكتابة الدستور، حينها تدرك أن الشيعة الحاكمين لم يكونوا أبداً مع جزء من تلك الحقوق الخاصة بإقليم كوردستان الواردة في الدستور، لكن ظروف ذلك الوقت، حيث كانوا قد وصلوا حديثاً إلى الحكم وتمرد ومقاومة السنة، بالإضافة إلى وحدة وتوحيد موقف القوى الكوردستانية، أجبرتهم على القبول ببعض تلك الحقوق. لذلك، ومع ترسيخهم لمواقعهم، تغاضوا عن تلك المواد والفقرات التي يعتبرها إقليم كوردستان حقاً له.
أهم مادة دستورية يعتبرها إقليم كوردستان حقاً له ويطالب بتطبيقها هي المادة 140 من الدستور العراقي الدائم. هذه المادة التي تعد قضية مصيرية بالنسبة للكورد، كان من المقرر أن يتم تطبيع الأوضاع في المناطق خلال عامين وإجراء إحصاء سكاني واستفتاء فيها لتحديد ما إذا كان مواطنو تلك المناطق يرغبون في الانتماء إلى إقليم كوردستان أم إلى الحكومة العراقية. لقد ودعنا أربعة رؤساء جمهورية كورد، ورغم ذلك لم يتم تطبيق المادة فحسب، بل وصل الأمر بالسياسيين العراقيين إلى القول علناً إن "هذه المادة قد ماتت". اذكروا لي اسم رئيس جمهورية كوردي واحد قدم مشروع قانون أو مارس ضغطاً سياسياً حقيقياً لتنفيذ هذه المادة. حتى نوري المالكي، الذي كان هو نفسه رئيساً للوزراء، أشار بشكل مباشر وغير مباشر إلى أن رئيس الجمهورية، الذي كان كوردياً، لم يتخذ أي خطوة لتنفيذ المادة 140.
لم يَنْتَفِ تطبيق هذه المادة فحسب، بل اتخذت عملية "التعريب" في كركوك والمناطق الأخرى، في عهد الرؤساء الكورد، بعداً أخطر مما كانت عليه قبل عام 2003، خاصة بعد 16 تشرين الأول 2017. من القضايا الأخرى التي لم تُمنَح استحقاقاتها الدستورية وأصبحت مشكلة عالقة ومستمرة بين أربيل وبغداد، هي قضية البيشمركة. لم تتشكل البيشمركة بقرار من بغداد، بل هي نتاج دماء وتضحيات شعب ضد ظلم بغداد وجورها تجاه الكورد على مدى عشرات السنين. تم الاعتراف بها في الدستور بصفتها جزءاً من منظومة الدفاع العراقية، لكن في الواقع، لم تزودها الحكومات العراقية المتعاقبة لا بالميزانية ولا بالرواتب ولا بالأسلحة والعتاد.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
في الحرب ضد أشرس تنظيم إرهابي (داعش)، دافعت البيشمركة دون أن يصلها مخزن طلقات واحد من بغداد؛ ليس هذا فحسب، بل منعت بغداد أيضاً التحالف الدولي من تزويد البيشمركة بالأسلحة الثقيلة، عندما كان الأمر يتطلب موافقتها. الرؤساء الكورد، الذين كان معظمهم في يوم من الأيام من البيشمركة، لم يتخذوا أي خطوة عملية لهذه القوة، ربما تحدثوا عنها بين الحين والآخر هنا وهناك، ولكن بلا شك "الأفعال هي الفيصل".
قضية أخرى بارزة وكبيرة بين أربيل وبغداد هي قضية النفط والغاز. على مر الحكم في العراق، استُخدم النفط لإشعال حروب العراق ضد الكورد ودول الجوار. كان الشعب العراقي بأسره ينتظر بعد سقوط نظام البعث أن تبعث هذه الثروة الطبيعية الروح في المجتمع العراقي وأن يحل الإعمار والرخاء محل الجوع والدمار. تناول الدستور العراقي إدارة الثروات الطبيعية بشكل عام، ومن السمات الرئيسة للدستور أن مواده وفقراته تحتاج إلى إصدار قوانين خاصة لتنظيمها وتوضيحها وتفصيلها. في عام 2007، أُعِدَّ مشروع قانون للنفط والغاز مكون من 43 مادة، لكنه لم يُقر في البرلمان ووُضع على الرف وتراكم عليه الغبار. لاحقاً، في عام 2011، صيغ مشروع قانون آخر في هذا المجال في البرلمان العراقي مكون من 49 مادة، حتى أنه لم يناقَش. أصبح هذا الفراغ القانوني سلاحاً لتجويع شعب كوردستان. خلال كل تلك السنوات، لم يلتفت الرؤساء إلى هذا الموضوع حتى بوصفه مقترحاً، وتفاقمت المشاكل بين أربيل وبغداد حول هذا الملف ولا تزال مستمرة حتى الآن.
مشكلة أخرى بين العاصمتين هي قضية الميزانية والرواتب، وهي نتاج هذا الحكم في عراق ما بعد 2003، وقد أثرت بشكل كبير في حياة الناس والسوق والاقتصاد في كوردستان. في عام 2014، وقبل أن يبدأ إقليم كوردستان بتصدير النفط، قُطِعتْ ميزانية إقليم كوردستان من قبل الحكومة العراقية بمجرد ذريعة البدء بعملية الاستخراج. بعد ذلك، جاء داعش وأصبح إقليم كوردستان ملاذاً لمئات الآلاف من النازحين، ومع ذلك لم تكن بغداد مستعدة لتغيير موقفها العدائي قيد أنملة. أُخذت الرواتب رهينة سياسية ولم يُطلَق سراحها حتى الآن. ربما لم يَدُر بخَلَد أحد يوماً أن حكومة بلد ما ستقطع رواتب موظفيها بسبب موقف سياسي. هنا يجب أن نتساءل: ماذا فعل الرؤساء خلال كل تلك الأزمات المالية؟
الإجراءات التي اتخذت في الماضي ضد اقتصاد كوردستان بشكل رسمي، وكذلك بشكل غير رسمي وتحت مسميات مختلفة، كانت تهدف إلى إيقاف تقدم إقليم كوردستان وإعادته إلى الوراء. منذ عدة سنوات، تتعرض البنية التحتية الاقتصادية لإقليم كوردستان لقصف بطائرات مسيرة من داخل العراق. الحكومة العراقية إما أنها غير قادرة على ردع هذه الجماعات، أو أنها راضية عن هذا الفعل. من جهة أخرى، رئيس الجمهورية الذي يعد وفقاً للدستور رمزاً لسيادة البلاد، ماذا استطاع أن يفعل أكثر من إصدار بيان خجول؟
مع الأخذ في الاعتبار كل هذه المشاكل العالقة والصراع العقيم والمزعج بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني على هذا المنصب، أعتقد أن الوقت قد حان ليتخلى الكورد عن هذا اللقب التشريفي ويعيدوه إلى العرب. من الأفضل للكورد، أثناء تشكيل الحكومة، أن يحصلوا على "اتفاق مكتوب ومضمون" لحقوقهم الدستورية بدلاً من الصراع على المناصب. ولتحقيق التوازن، أرى أن يتولى الكورد منصب رئيس البرلمان (على الرغم من أنني لست متفائلاً في هذا الشأن أيضاً)، ولكن على الأقل، دعونا لا نكون بعد الآن ما يسمى بـ"حماة الدستور"، الذي لا يستخدم إلا لضرب كوردستان.
