رووداو ديجيتال
عندما تتعاظم التحديات، وتشتد الأخطار تظهر حقيقة قوة الشعوب في قدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي وفي استعدادها للوقوف صفاً واحداً دفاعاً عن كرامتها ووجودها. ففي مثل هذه اللحظات الحساسة لا يبقى التضامن مجرد تعبير عن مشاعر التعاطف، بل يتحوّل إلى موقف واعٍ يحمل أبعاداً سياسية واضحة، وتصبح الساحات العامة فضاءات لإيصال الرسائل وتأكيد المواقف الجماعية. ومن هذا المنطلق يمكن فهم الوقفات التضامنية التي يشهدها الشارع الكوردي في مدن وبلدات كوردستان سوريا باعتبارها انعكاساً لوعي جماعي يدرك أن الهجمات التي تستهدف أمن واستقرار إقليم كوردستان لا تمس منطقة بعينها فقط، بل تمس مجمل الحضور الكوردي في المنطقة.
كما أن هذه الوقفات لا تأتي من فراغ بل تستند إلى تجربة طويلة من العلاقات المتبادلة والدعم المستمر. فلم يكن إقليم كوردستان بالنسبة للكورد في سوريا مجرّد جارٍ جغرافي، بل شكل عبر سنوات طويلة، وبقيادة الرئيس مسعود بارزاني، داعماً أساسياً لهم في مراحل صعبة ومفصلية. لذلك فإن مشاهد التضامن التي تتكرر اليوم في الشوارع والساحات لا يمكن النظر إليها على أنها رد فعل لحظة عابرة بل هي تعبير عن وفاء متبادل واستحضار لمعنى الشراكة في المصير ورسالة سياسية وأخلاقية تؤكد أن وحدة الموقف تبقى عاملاً أساسياً في مواجهة التحديات مهما تباعدت الجغرافيا وتعددت الحدود.
إن الحراك الشعبي الكوردي في كوردستان سوريا في هذا التوقيت تحديداً يحمل دلالات سياسية تتجاوز حدود اللحظة الراهنة، إذ يعكس إدراكاً متزايداً لدى الشارع الكوردي بأن ما يجري في إقليم كوردستان ليس حدثاً معزولاً بل جزء من مشهد إقليمي أوسع تتقاطع فيه المصالح والصراعات. فالتحديات الأمنية والعسكرية التي تستهدف الإقليم لا تُفهم في الوعي الجمعي الكوردي على أنها تهديد لجغرافيا بعينها بل تُقرأ بوصفها محاولة للضغط على تجربة سياسية شكّلت خلال العقود الماضية رمزاً للاستقرار النسبي ونقطة ارتكاز للحضور السياسي الكوردي في معادلات المنطقة.
هذا التوقيت يعكس أيضاً حالة من النضج السياسي لدى الجماهير، حيث لم يعد التفاعل الشعبي مرتبطاً فقط بالمشاعر الآنية بل أصبح يستند إلى قراءة واعية للمخاطر المحتملة وإلى إدراك أن أي خلل يصيب استقرار إقليم كوردستان ستكون له انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على بقية المناطق الكوردية.
ومن زاوية أخرى، فإن هذه الوقفات التضامنية تعكس جوهر مفهوم وحدة المصير الكوردي، وهو مفهوم لم يعد مجرد خطاب سياسي أو شعار تاريخي بل أصبح ممارسة حقيقية تتجسد في السلوك الجمعي وفي الاستجابة السريعة للأحداث التي تمس أحد أجزاء الجسد الكوردي. فحين تخرج الجماهير في مدن وبلدات كوردستان سوريا للتعبير عن تضامنها مع إقليم كوردستان، فإنها تعلن عملياً أن الحدود السياسية التي رسمتها التحوُّلات الدولية لم تستطع أن تفصل بين الوجدان الكوردي وأن الروابط التي تجمع الكورد تتجاوز الإطار الجغرافي لتصبحَ روابط استراتيجية قائمة على المصالح المشتركة والمخاطر المتبادلة.
إن وحدة المصير هنا لا تعني إلغاء الخصوصيات السياسية أو الاجتماعية لكل منطقة بل تعني إدراك أن المصالح الكبرى للكورد مترابطة وأن أي خلل في توازن أحد الأجزاء سيؤثر حتماً على بقية الأجزاء بدرجات متفاوتة. وهذه القناعة هي التي تدفع الجماهير إلى التحرُّك خارج حدود همومها المحلية المباشرة لتعبّر عن تضامنها مع قضايا قد تبدو جغرافياً بعيدة، لكنها في جوهرها قضايا تمس مستقبلها هي أيضاً.
ولا يمكن فهم عمق هذا التضامن دون استحضار الدور الذي لعبه إقليم كوردستان خلال السنوات الماضية في دعم كورد سوريا، وهو دور شكّل أساساً لعلاقة ثقة متبادلة بين الطرفين. فقد كان الإقليم خلال سنوات الأزمة السورية ملاذاً آمناً لمئات الآلاف من اللاجئين الكورد الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم هرباً من العنف والفوضى. ولم يكن احتضان هؤلاء مجرد خطوة إنسانية عابرة بل كان موقفاً سياسياً يعكس رؤية تقوم على أن حماية الإنسان الكوردي أينما وجد هي مسؤولية جماعية تتجاوز الحسابات الضيقة.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
وفي هذا السياق، برز الدور الذي أدّته قيادة إقليم كوردستان وعلى رأسها الرئيس مسعود بارزاني في دعم كورد سوريا على مستويات متعددة، بدءاً من الدعم الإنساني ومروراً بالمبادرات السياسية التي هدفت إلى توحيد الصف الكوردي.
كما أن المبادرات السياسية التي رعتها قيادة الإقليم خلال السنوات الماضية لم تكن مجرد محاولات لتقريب وجهات النظر بين القوى الكوردية بل كانت تعبيراً عن إدراك عميق بأن وحدة الصف الكوردي تشكّل شرطاً أساسياً لأي حضور فاعل في المعادلات الإقليمية.
إن التضامن الذي نشهده اليوم في ساحات كوردستان سوريا يمكن أن يسهم بصورة ملموسة في تعزيز الموقف الكوردي إقليمياً إذا ما جرى استثماره بطريقة واعية ومنظمة. فالقوة السياسية لا تُبنى فقط على أساس التفاهمات الدبلوماسية أو التحالفات المؤقتة بل تعتمد أيضاً على وجود قاعدة شعبية متماسكة تمنح القيادات السياسية شرعية إضافية وتوفر لها مساحة أوسع للتحرك في مواجهة الضغوط.
كما ان هذا التضامن الشعبي يبعث برسائل متعددة الاتجاهات، فهو من جهة يعزز من ثقة القيادات بقدرتها على اتخاذ مواقف أكثر جرأة في الدفاع عن المصالح الكوردية ومن جهة أخرى يوجّه رسالة واضحة إلى القوى الإقليمية والدولية مفادها أن الكورد يمتلكون درجة عالية من التماسك الاجتماعي وأن أي محاولة للضغط عليهم لن تمر دون رد فعل جماعي يعكس وحدة الموقف.
إن تحويل هذا التضامن من حالة عاطفية مؤقتة إلى مشروع سياسي واجتماعي مستدام يمكن أن يسهم في بناء مفهوم أوسع للأمن الكوردي المشترك وهو مفهوم يقوم على أن استقرار أي منطقة كوردية يشكّل جزءاً من استقرار بقية المناطق. فإذا ما جرى تعزيز قنوات التنسيق بين القوى السياسية والمؤسسات المجتمعية والإعلامية في مختلف المناطق الكوردية، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى خلق شبكة دعم متبادلة قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية بصورة أكثر فاعلية.
وعلى المستوى الداخلي فإن هذه الوقفات تعزّز أيضاً من الشعور بالمسؤولية الجماعية وتعيد ترسيخ الثقة بين الجماهير وقياداتها، حيث يشعر المواطن الكوردي بأن صوته وموقفه يشكلان جزءاً من معادلة أوسع وأن حضوره في الشارع ليس مجرد فعل رمزي بل مساهمة فعلية في حماية المكتسبات والدفاع عن القضايا المصيرية.
إن ما نشهده اليوم من وقفات تضامنية في مدن وبلدات كوردستان سوريا لا يمكن اختزاله في إطار ردّة فعل عاطفية مؤقتة بل يجب قراءته بوصفه مؤشراً على تحوّل عميق في الوعي السياسي الكوردي، حيث باتت الجماهير تدرك أن حماية المكتسبات لا تتحقق بالانتظار بل بالفعل الجماعي الواعي وبالقدرة على تحويل الشعور المشترك بالخطر إلى موقف موحّد يعزز الحضور ويحصّن المنجزات. إن هذا التضامن حين يستمر ويتجذر لا يرسّخ فقط روابط الثقة بين أجزاء الجسد الكوردي، بل يوجّه أيضاً رسالة واضحة إلى القوى الإقليمية والدولية بأن الكورد لم يعودوا مجتمعات متفرقة يسهل الضغط عليها أو تجاوزها، بل أصبحوا قوة اجتماعية وسياسية تمتلك إرادة جماعية ووعياً متقدماً بمصالحها الاستراتيجية.
كما أن القيمة الحقيقية لهذا الحراك لا تكمن في لحظته الراهنة فحسب بل في قدرته على أن يتحول إلى رصيد سياسي طويل الأمد، يعزّز مفهوم الأمن الكوردي المشترك ويمنح القيادات مساحة أوسع للدفاع عن الحقوق والمكتسبات في مواجهة التحديات المتصاعدة. فالشعوب التي تتقن لغة التضامن في أوقات الخطر وتحوّل وحدتها إلى فعل مستمر.
ومن هنا، فإن هذه الوقفات ليست مجرد حدث عابر في زمن الأزمات بل هي إعلان متجدد بأن وحدة الموقف الكوردي حين تتجسد في الشارع وفي الوعي العام قادرة على أن تتحول إلى قوة سياسية حقيقية، تحمي الحاضر وتفتح الطريق نحو مستقبل أكثر ثباتاً وثقة.
