رووداو ديجيتال
لن تنتهي نتائج الحرب الرابعة بنسختها (باء) عند ما يعتقده كثيرون من نتائج حالية، فنتائج الحروب تستمر في تأثيرها، و من لا يريد فهم ذلك فهذا شأنه.
حتى سلام الحرب يختلف عن السلام النقي الذي لا جذور له من نزاع.
تبدل السياسات هي إحدى خلايا الحرب المتوقعة و إن تأخرت، فخلال بدايات هذا القرن و القرن الذي قبله، هزت المجتمع بين عنف و عنف أخف، حروب من مدخرات المشاريع السياسية التي أمسكت عنان كيانات سياسية لتتحكم فيها، البعثان في العراق و سوريا، زوال شاه إيران، الصراع العربي المتعدد التوجهات و الرؤى و الأدوات قبالة إسرائيل، دول المغرب العربي وقضايا الصحراء، ورفقة ذلك تبدلات اجتماعية وعَقَدية مؤثرة، تدافعت كلها واندفعت لتحدث ما نعيش نتائجه الآن و قبل ومستقبلاً.
أمام مصالح الشعوب، المصالح الطبيعية، المصالح الحقّة، يكون قرار الحرب مرعباً، ومخيفاً، إذ لا ضمان للنتائج، فالتشابك الدولي معقد، وما يراه قصير والأفق في السياسة لا يعكس المسافة الحقيقية وما فيها.
لا يوجد طرف راغب في الحرب يبث دعاية تفنّد ضرورة عنفه، هذه طبيعة بشرية لئن تُفِدْ في صراع شخصي فهي كارثة في القرار السيادي.
الآن سكنت النيران الكبرى في هذا النزاع متعدد المحاور، نزاع بين التحكم بالجغرافيا، وبين تباين الحضارات، وبين الدوافع، وخارج التقييم الأخلاقي والرومانسية، فالحرب تكشف الهشاشة من القوة، خلالها وبعدها.
بعيداً أيضاً عن الدعاية الترميمية لتحويل الخسارة العسكرية إلى ربح خارج جردة محددة تتعلق بتفصيلة المواجهة، فإن القضية تحتاج لمواجهة الواقع، وفرش خريطة لنكتب الحاصل، هل تم حفظ المساحة، ماذا حدث في البقعة التي حدثت فيها المواجهة، هل كان الدفاع بمستوى الهجوم، باختصار ما هي الأرباح وما هي الخسائر، وقبل كل هذا هل كان ممكناً تجنّبُ المواجهة؟
الجواب على سؤال التجنب قد يطرحه كثيرون، لكن تنفيذه يقترن بالحنكة وهي شحيحة هذه الأيام.
طريقان أساسيان في إدارة الدول، أكثرهما ازدحاما هو درب افتعال الأزمات والتورط بها، هذا درب أعد له أبطاله اقتصاداً وقوى وفكراً لا يمتلكه البقية المتوهمة من سالكيه، والطريق الآخر هو طريق التحفظ من الانخراط في عدائية ومواجهة، لخبرة تراكمت في العقل السياسي الذي يعي معنى الحروب وارتداداتها.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
من آفات العقل البشري آفة السيطرة على الآخرين، والسيطرة خلاف التنظيم والترتيب، ومن هذه الآفة خرجت المساعي التي أخذت سنوات ودماء وأموالاً لفرض وجود قرار أجنبي داخل دول المنطقة بتحريك ملفات مستدعاة من خلافات الماضي دينياً وطائفياً وقومياً وفكرياً، وتم اختيار ساحات منازلة بالمواجهة أو بالإنابة لتصريف الصراع وإدامته.
ثم ظهرت النتائج، مسلسل الحرب بلبنان، حرب الخليج الأولى، قبلها وخلالها وبعدها الحرب ضد كوردستان، حربا الخليج الثانية، والثالثة.
لم يستحضر الطرف الذي دخل المعارك ما أحدثه قراره من خسارات بعضها لا يزول، وكم تسبب بخلخلة قيم روحية ومجتمعية علاقاتية.
كم أسهم في خلق بيئات للتوتر و إنبات قوى عنف تنشطر تباعاً.
بل إنه ركز في العقل أن الحرب بطاقة شرعية ادخارية توجد وتعزز رصيده إذا أراد التملص خوفاً من قوى تطارده بسبب أفعاله ليدخل إلى خيمة التحول للسياسة، فيتغير ظاهرياً من عنيف إلى مسالم، مانعاً نقد بداياته ملمّعاً لمشاهد عنفه.
لمن يريد أن يعرف بالأرقام لا بميزان آخر، نتائج الحرب الأخيرة والضريبة على القرار السيادي، مراجعة شهر وبضعة أيام قبل تاريخ اليوم، وسيفهم أن أغلب صنّاع القرار ليسوا بالمستوى المؤهل لا للفهم و لا للإدارة، وأن الخسارات الكبرى هي نتيجة صناعتهم قبل أن يجسدها الأقوى واقعاً.
إن الصراحة والمكاشفة تقتضي من أصحاب العقول المنظمة أن تسمي الأمور بلا مواربة، وأن لا تنسحب خلف الدعاية الفارغة، وأن كثيراً من الصفات الرسمية هي أضعف من الصفات الأخرى، الخلل ليس في الدستور وأنْ لا قطع بصوابية كل دستور، لكن الذي يتقاضى مقابلاً عن عنوانه الرسمي لا بد أن يكون أو متواجهاً مع نفسه عن صلاحيته وحدوده والعوائق التي تمنعه من أداء مهامه، فإن كانت بلا حل متاح سعى إلى حل ممكن، وإن كان ضعيفاً تنحّى، وإن كان شريكاً مجبراً اعترف، وإن كان شريكاً مستفيداً تمت محاسبته، لأن أمثال هؤلاء وأمثال متقصدي الأزمات ينتجون الخراب معجلاً و مؤجلاً.
يقال إن إبراهيم بن الأدهم كتب مرة في النصح: من عرف ما يطلب هان ما يبذل، و من أطلق أمله ساء عمله، ومن سلط لسانه قتل نفسه.
