ربما يوجد القليل من الكتاب والمثقفين الكورد الذين أولوا اهتماماً بالتاريخ والأرشيف بقدر ما فعله الأستاذ رفيق حلمي. فقد احتفظ بكل رسالة وصلت إليه، أو أي مخاطبة رسمية من الدولة، بل وحتى بطاقات التهنئة بالأعياد ودعوات الحضور؛ لقد حافظ عليها جميعاً.
لحسن الحظ، قامت السيدة جيان خان، ابنة رفيق حلمي، بالحفاظ على جميع كتابات والدها، بل وحتى مظلته ومقتنياته الشخصية، والآن يُحفظ جزء كبير منها في "بنكةي ژین" (مركز ژين للأرشفة والبحث) في السليمانية. لقد منحتني السيدة جيان خان في وقت سابق شرف الاحتفاظ بنسخ من بعض الرسائل والكتابات، وكما يقول الكورد إن كان في العمر بقية، سأعمل عليها مستقبلاً مع مجموعة أخرى من الرسائل والوثائق والكتابات التاريخية التي حصلتُ عليها من هنا وهناك.
ننشر هنا نص الرسالة التي أرسلها القائد الكوردي إحسان نوري باشا، قائد ثورة آغري (أرارات)، في تاريخ 21-11-1958 إلى الأستاذ رفيق حلمي كما هي، مع إعادة صياغتها وفقاً لقواعد الإملاء الكوردية الحديثة.
لقد كتب الجنرال إحسان نوري باشا رسالته بالأحرف الآرامية (العربية) التي تُكتب بها الكرمانجية السفلى (السورانية). وبالنسبة لذلك العصر، ولشخص مثل إحسان نوري باشا الذي ينحدر من شمال كوردستان (كوردستان تركيا)، فإن لغته الكوردية كانت جميلة، لكنها تحتاج إلى تدقيق عميق وتحليل لتركيب الجمل لفهمها بشكل كامل.
يعبر الجنرال إحسان نوري باشا في رسالته عن سعادته لأن اللغة الكوردية أصبحت لغة للدراسة والكتابة في جنوب كوردستان (كوردستان العراق) واعتبارها لغة رسمية، كما يبدي سروره لتعيين شخص وطني ومخلص للقضية الكوردية مثل الأستاذ رفيق حلمي مديراً للمعارف (التربية).
من جانب آخر، نرى أن علاقة المثقفين في ذلك العصر كانت مبنية على أساس الكتاب، اللغة، والروح القومية الكوردية. ولكن، وبما أن الجنرال إحسان نوري باشا كان يعيش في إيران وتحت مراقبة السلطات الإيرانية، لم يكن بمقدوره كتابة كل ما يجول في خاطره بحرية .
أرسل إحسان نوري باشا هذه الرسالة في الوقت الذي كان فيه الجنرال بارزاني قد عاد لتوّه من الاتحاد السوفيتي. وبطبيعة الحال، كان يعلم أن الأستاذ رفيق حلمي يتمتع بعلاقة وطيدة وجيدة مع الجنرال بارزاني؛ لذا استغل الفرصة ووضع رسالة خاصة كتبها للجنرال بارزاني داخل نفس المظروف الذي احتوى على رسالة الأستاذ حلمي، لضمان وصولها إلى البارزاني الخالد عبر يدٍ أمينة.
يستنتج القارئ من بين السطور أن الجنرال إحسان لم يكن في وضع أمني جيد، ولم يكن بمقدوره مراسلة الجنرال بارزاني بشكل مباشر. وقد كتب الجنرال إحسان نوري باشا في رسالته للأستاذ حلمي:
"لقد كتبتُ رسالة لبطلنا القومي الجنرال بارزاني، لكن وضعي غير الطبيعي يمنعني من إرسالها علنًا، لذا وضعتها داخل ظرف رسالتكم؛ أرجو أن تقدموها له بيديكم المباركتين ".
تعتبر هذه الرسالة وثيقة تاريخية هامة، فهي تتحدث عن حقبة شهدت ظهور واقع جديد في العراق وجنوب كوردستان، حيث فُتحت آفاق أوسع للغة الكوردية وللحركة السياسية الكوردية. وصفُ إحسان نوري باشا للجنرال بارزاني بـ "البطل القومي" لم يأتي من فراغ، فالجنرال بارزاني، وبعد رحلته التاريخية إلى الاتحاد السوفيتي مع رفاقه، سُجّل اسمه من قبل العديد من المؤرخين الأجانب كقائد كوردي أسطوري.
طيب الله ثرى الجنرالين الكورديين إحسان نوري باشا ومصطفى بارزاني، والأستاذ رفيق حلمي؛ نستذكرهم بكل إجلال.
فيما يلي، أعيد كتابة الرسالة بالإملاء الحديث، مع نشر نص الرسالة الأصلي كما ورد:
صديقي العزيز والمحترم!
منذ مدة، قدمتُ إليكم مكاتبةً ولم أتلقَّ جواباً. رفيقي الذي تحدث معكم في بغداد وأرسل إليكم لاحقاً كتباً من طهران، يقرؤكم السلام ويقول: إن رفيق حلمي بك لم يكن يجد وقتًا كافيًا لتأليف الكتب.
لقد سمعتُ أن جميع المدارس الابتدائية في كوردستان العراق تدرّس باللغة الكوردية، وأن جنابكم تشغلون منصب "المدير العام". لقد سُررتُ جداً، وآمل أن ينال الأمر صبغة رسمية أوسع قريباً ومن الآن أقول لكم "مبارك"، وأهنئكم من كل قلبي ووجداني إن شاء الله.
لقد كتبتُ رسالة لبطلنا القومي الجنرال بارزاني، وبسبب وضعي غير الطبيعي الذي يمنعني من إرسالها إليه علناً، وضعتها داخل ظرف رسالتكم؛ أرجو أن تسلموها له بيديكم المباركتين.
لكم مني كل السلام والتقدير، وأنا بانتظار ردكم.
التوقيع
إحسان نوري
12 – 11 - 1958

