تمر تسعة أسابيع على بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران، ويقول منسق منظمة العمل الدولية (ILO) في العراق إن العمال يواجهون صدمات كبيرة بسبب تأخر الرواتب وانخفاض القوة الشرائية. ورغم ذلك، لم تحدث حتى الآن تسريحات جماعية للعمال، لكن المخاطر في تزايد.
وفقاً لمتابعتنا لسوق العمل في إقليم كوردستان، قامت بعض الشركات وأماكن العمل بتقليص عدد عمالها وموظفيها، بينما قلص البعض الآخر أيام العمل بهدف خفض رواتبهم.
انخفض إنتاج النفط العراقي بنسبة 81% منذ إغلاق مضيق هرمز في 28 شباط، وفي شهر آذار، تمكنت الحكومة العراقية من تأمين 27% فقط من التكلفة الشهرية للرواتب والتقاعد، وبالنسبة لأكثر من 10 ملايين عراقي يعتمدون على رواتب الحكومة أو التقاعد، فإن هذا العجز ليس مجرد أرقام، بل هو مشكلة حقيقية.
إيكور بوسك، نائب منسق منظمة العمل الدولية (ILO) في العراق، تحدث يوم الثلاثاء في مقابلة مع شبكة رووداو الإعلامية عن أزمة تؤثر على العمال من خلال ثلاث طرق رئيسية. يقول إيكور: "الأزمة تصل إلى العمال من خلال الضغط المالي، التضخم، وعدم اليقين".
تقدر منظمة العمل الدولية أن حوالي 100,000 عامل في جميع أنحاء العراق قد تم تسريحهم في شهر آذار، معظمهم كانوا يعملون في قطاعات السياحة، الضيافة، الخدمات النفطية، والمخابز.
لكن بوسك يقول إن التسريحات الجماعية للعمال ليست السمة الرئيسية لهذه المرحلة حتى الآن، وقد جاء في مذكرة المنظمة: "أفضل وصف للمرحلة الحالية هو الضغط المالي وارتفاع التكاليف". ويعني ذلك تأخر الرواتب، تعليق البدلات، تقليص ساعات العمل، وارتفاع الأسعار الذي أدى إلى تآكل الدخل الحقيقي للناس.

إقليم كوردستان: ممر ونقطة ضغط
يحتل إقليم كوردستان في هذه الأزمة موقعاً ذا وجهين. فقد سُمح مؤقتاً لمعبر إبراهيم خليل التجاري مع تركيا باستيراد المواد الغذائية والأدوية، كما استؤنف ضخ نفط كركوك إلى ميناء جيهان عبر خط أنابيب إقليم كوردستان، حيث يتم تصدير حوالي 250,000 برميل يومياً بموجب اتفاق بين بغداد وأربيل.
نتيجة لذلك، زادت الأنشطة اللوجستية والتخزين على ممر دهوك التجاري، فيما أشار بوسك إلى إعادة تشغيل حقل غاز كورمور بسرعة بعد انقطاع قصير في آذار أدى إلى انقطاع واسع للكهرباء، كدليل آخر على القدرة المؤسسية.
في الوقت نفسه، واجه إقليم كوردستان العدد الأكبر من الهجمات المباشرة بالطائرات المسيرة والصواريخ خلال الحرب؛ فوفقاً للإحصاءات التي جمعتها شبكة رووداو الإعلامية، بين 28 شباط و24 نيسان، فقد 22 شخصاً حياتهم وأصيب 101 آخرون في إقليم كوردستان نتيجة لتلك الهجمات.
كما أن موسم الربيع وعيدي نوروز ورمضان، التي تعد من أهم الفترات لإيرادات السياحة في إقليم كوردستان، لم تحقق أي فائدة اقتصادية.
يقول إيكور بوسك: "في كوردستان، تضاعفت أسعار الخضروات والفواكه المستوردة من إيران تحديداً، وارتفعت أسعار الوقود في عدة مدن بأكثر من 20%. كما انخفضت قيمة الدينار العراقي في السوق الحرة إلى أكثر من 1,500 دينار مقابل كل دولار".
ما زاد من حدة هذه الضغوط هو الوضع المسبق لرواتب القطاع العام في إقليم كوردستان، حيث كان ما يقرب من 1.25 مليون موظف ومتقاعد في الإقليم يعانون بالفعل من تأخر مستمر في الرواتب حتى قبل بدء الحرب الإيرانية، والآن حلت عليهم هذه الصدمة المالية الجديدة.
القطاعات تحت الضغط
يعد قطاع البناء من أكثر القطاعات تضرراً في إقليم كوردستان، حيث يشكل حوالي 11% من القوى العاملة في القطاع الخاص بالإقليم، ومعظمهم من عمال المياومة المحرومين من الضمان الاجتماعي.
توقفت الاستثمارات العامة، وعندما يتوقف العمل، لا توجد شبكة ضمان اجتماعي لتأمين هؤلاء العمال، كما أن تجارة الجملة والتجزئة، السياحة والضيافة، والصناعات الصغيرة التي تعتمد على المواد المستوردة وتشكل حوالي 12% من فرص العمل في القطاع الخاص بالإقليم، كلها تحت ضغط شديد.
وضع إيكور بوسك قطاعي الزراعة والنفط والغاز في خانة مختلطة. فلدى قطاع الزراعة في إقليم كوردستان بعض الفرص ليحل محل المنتجات المستوردة مع ارتفاع أسعار السلع الإيرانية، لكن ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة قلل من هذه الفائدة.
أما قطاع النفط والغاز، فبسبب طبيعته، يشهد تسريحات مباشرة قليلة للعمال، لكن شركات الخدمات المحلية تواجه تأخيراً في العقود والمستحقات.
يقول إيكور بوسك: "إذا استؤنفت الحرب واستمرت لأكثر من 12 إلى 18 شهراً، نتوقع أن يتسارع إغلاق المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وأن يزداد العمل غير الرسمي بشكل دائم، وأن تتجه هجرة الشباب نحو التصاعد".
الانتعاش مرتبط بالسياسات
يتحدث بوسك بصراحة تامة عن شروط الانتعاش وتجاوز هذه الأزمة. يقول إن السياحة ومبيعات التجزئة يمكن أن تنتعش بسرعة عند التوصل إلى وقف إطلاق نار مستقر، وذلك استناداً إلى التجارب التاريخية بعد الصدمات الإقليمية السابقة، ثم يأتي قطاع البناء عندما تستأنف مشاريع الاستثمار العامة.
ووفقاً له، فإن انتعاش المشاريع الصغيرة والمتوسطة سيستغرق ما بين 6 إلى 18 شهراً، لكنه يتطلب دعماً مالياً نشطاً لأن هذه الشركات فقدت رأسمالها العامل ولا يمكنها استئناف نشاطها دون مساعدة.
يقول نائب منسق منظمة العمل الدولية في العراق: "الانتعاش لا يعني العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب. لا يمكن للعراق أن يستمر في الاعتماد بنسبة 90% على إيرادات النفط، ولا يمكن لإقليم كوردستان أن يستمر في الاعتماد بشكل كامل على القطاع العام".
تقترح منظمة العمل الدولية استجابة سياسية متسلسلة: حماية الرواتب وتوفير السيولة النقدية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة بشكل فوري؛ مرحلة استقرار من خلال برامج العمل العام وإعادة التدريب؛ وإصلاحات أساسية لتوسيع الضمان الاجتماعي ليشمل عمال القطاع غير الرسمي وتقليل الاعتماد على النفط.
مع ذلك، ووفقاً لمنظمة العمل الدولية، هناك إحصاءات تبعث على التفاؤل، حيث تضاعف تسجيل الضمان الاجتماعي للقطاع الخاص في إقليم كوردستان ثلاث مرات تقريباً بين عامي 2021 و2025، من 101,000 إلى أكثر من 303,000 عامل، وهو أحد أسرع معدلات توسع الضمان الاجتماعي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
التحدي هنا هو أن عمال البناء والزراعة والصناعة، الذين هم الأكثر تضرراً الآن، لا يزالون خارج هذا النظام بالكامل.