رووداو ديجيتال
منذ تصاعد التوتر العسكري في الخليج أواخر شباط 2026، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي، بل أصبح نقطة اختناق عالمي. توقفت آلاف السفن، ووجد آلاف البشر أنفسهم عالقين في البحر، بلا قدرة على التقدم أو العودة.
أكثر من 20 ألف بحّار عالق، وقد يصل العدد إلى 30 ألفاً، إضافة إلى نحو 35 ألف شخص مع الركاب والعاملين.
حياة معلّقة بين الماء والحرب
المأساة هنا ليست رقمًا، بل زمن متوقف. البحّارة يعيشون حالة "تعليق قسري". عقودهم انتهت، لكنهم لم يغادروا. رحلاتهم توقفت، لكنهم لم يصلوا. عائلاتهم تنتظر، وهم بلا موعد للعودة.
كثير منهم كان يفترض أن يعود إلى بلده خلال أيام، لكن التصعيد العسكري حوّل السفن إلى "محطات انتظار عائمة" في عرض البحر.
استغاثات من عرض البحر
الضغط لم يعد نفسياً فقط، بل وصل إلى حد الاستغاثة. تقول تقارير الاتحاد الدولي لعمّال النقل (ITF) إنه تلقى أكثر من ألف رسالة من بحّارة عالقين في الخليج منذ بداية التصعيد.
في إحدى الرسائل بتاريخ 24 آذار، كتب أحد البحّارة: "سفينتنا تواجه وضعاً حرجاً في ما يتعلق بالمؤن، هناك حاجة ماسة إلى الغذاء ومياه الشرب".
وفي رسالة أخرى، قال بحّار مذعور "تعرضنا للقصف، لا نريد أن نموت، أرجوك أخرجنا من هنا".
معاناة يومية: تفاصيل لا تُرى
الحياة على متن السفن في هذه الظروف ليست روتينًا بحريًا عادياً، بل ضغط متراكم.عزلة نفسية قاسية، أسابيع انتظار بلا أفق، وقلق دائم من الهجمات.
ويشكل نقص الإمدادات ضغطاً إضافياً، مع صعوبة إيصال الطعام والأدوية وتأخر الصيانة.
كما أن استبدال الطواقم، الذي يعتمد عليه البحّارة عادة، أصبح شبه مستحيل، في ظل تعقيد السفر وتعطل الطرق.
الأمواج ليست وحدها خطراً
تم تسجيل هجمات على سفن تجارية مدنية، وسقوط قتلى وجرحى بين البحّارة، فيما تشير بيانات إلى مقتل ما لا يقل عن ثمانية بحّارة أو عمّال موانئ منذ بداية التصعيد.
حقوق على الورق وواقع مختلف
إعلان المنطقة كـ"منطقة حرب" يمنح البحّارة حقوقاً إضافية، منها إعادتهم إلى بلدانهم على نفقة الشركات، ومضاعفة الأجور. لكن يبدوا أن الواقع مختلف.
كثير من البحّارة، خصوصاً على سفن غير خاضعة لاتفاقيات العمل الدولية، يواجهون صعوبة في المغادرة.
وفي إحدى الشهادات، قال بحّار إن الشركة رفضت إعادتهم بحجة عدم وجود رحلات جوية، وأجبرتهم على مواصلة العمل رغم المخاطر.
أجور زهيدة في منطقة حرب
مسألة الأجور تحولت إلى أزمة بحد ذاتها، حيث تشير تقارير إلى أن نحو نصف شكاوى البحّارة تتعلق بالرواتب.
وفي إحدى الرسائل، سأل بحّار إن كان أجره سيرتفع من 16 دولاراً إلى 35 دولاراً يومياً بسبب العمل في منطقة حرب.
هذه الأرقام، بحسب الاتحاد الدولي، تعكس ظروف عمل غير عادلة، خاصة على السفن غير المشمولة باتفاقيات حماية البحّارة.
لماذا لا يغادرون ببساطة؟
الإجابة تقنية وسياسية في آن واحد، مضيق هرمز لا تتجاوز سعته الـ30 كم، ولا يمكن تفريغه بسرعة، وأي حركة جماعية قد تزيد المخاطر. وهنا المرور أصبح انتقائياً وفق تفاهمات سياسية، وشركات الشحن ترفض المجازفة.
حتى المنظمة البحرية الدولية تؤكد أن إخراج السفن عملية معقدة وخطرة، وليست مسألة يوم واحد.
المنسيون في قلب الاقتصاد العالمي
هذه الأزمة تكشف حقيقة غالباً ما تُهمل، البحّارة ينقلون أكثر من 80% من تجارة العالم، لكنهم عند الأزمات يصبحون الحلقة الأضعف. بلا تغطية إعلامية كافية، بلا ضغط سياسي حقيقي، مجرد أرقام في أزمة أكبر.
مشهد يتكرر
ما يحدث اليوم يعيد إلى الأذهان أزمة كورونا، حين علق البحّارة لأشهر طويلة بين الموانئ والبحر. لكن الفارق اليوم أن الخطر لم يعد صحياً فقط، بل عسكري مباشر.
السفن تحولت إلى جزر معزولة، البحّارة إلى أشخاص خارج الزمن، والبحر إلى منطقة انتظار مفتوحة على الخطر.
الحرب اليوم دفعت بكثيرين إلى قلب معركة لا تخصهم، حيث لا ملجأ من جو ولا بحر ولا سماء.
