رووداو ديجيتال
هناك رقم يجب أن يجعلك تتوقف وتفكر، ففي 6 نيسان 2026، نشرت إلسي بينغ، الخبيرة الاقتصادية في بنك "غولدمان ساكس"، مذكرة استندت إلى بيانات حقيقية من قوائم الرواتب الأميركية، كشفت فيها أن الذكاء الاصطناعي يقضي على ما متوسطه 16,000 وظيفة شهرياً في الولايات المتحدة وحدها، وهو ما يعادل 192,000 وظيفة سنوياً. بعد 18 يوماً فقط، أعلنت شركتا "ميتا" و"مايكروسوفت" أن هذه مجرد بداية لاتجاه مستمر.
في 24 نيسان 2026، أعلنت الشركتان معاً عن تسريح أكثر من 20,000 موظف. ستقوم "ميتا" بتسريح 10% من قوتها العاملة العالمية، أي حوالي 8,000 شخص، اعتباراً من 20 أيار، مع إبقاء 6,000 وظيفة أخرى شاغرة.
في الوقت نفسه، قدمت "مايكروسوفت" حزمة تقاعد طوعي لحوالي 8,750 موظفاً في الولايات المتحدة، وهو أول برنامج من نوعه في تاريخ الشركة الممتد لـ 51 عاماً. هذه الإعلانات رفعت عدد الموظفين المسرحين في قطاع التكنولوجيا منذ عام 2020 إلى أكثر من 900 ألف شخص.
تصريحات مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة "ميتا"، تشير إلى أن هذه المرة قد تكون مختلفة، ففي بداية هذا العام، قال زوكربيرغ: "عام 2026 هو العام الذي سيغير فيه الذكاء الاصطناعي طريقة عملنا بشكل جذري".
تسريح الموظفين وزيادة الاستثمار
المفارقة تكمن في أن الشركات التي تسرح أكبر عدد من الموظفين بسبب تقدم الذكاء الاصطناعي هي نفسها التي تستثمر فيه أكثر من غيرها. استثمرت "ميتا"، "مايكروسوفت"، "ألفابت"، و"أمازون" معاً ما يقرب من 700 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في عام 2026 وحده.
هذه الشركات لا تخفض التكاليف بسبب ضعف، بل تعيد هيكلة قوتها العاملة من منطلق ثقة، ثقة بأن الذكاء الاصطناعي يمكنه أداء مهام عدد كبير من موظفيها بسرعة أكبر وتكلفة أقل بكثير.
ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة "مايكروسوفت"، يصف عدد موظفي شركته البالغ 228,000 موظف بأنه "عائق كبير" في سباق الذكاء الاصطناعي. فخدمة GitHub Copilot تكتب الآن حوالي 40% من الأكواد البرمجية حيث يتم استخدامها.
كما أن منصة إعلانات "ميتا" المعززة بالذكاء الاصطناعي، والتي تولد تقريباً كامل إيرادات الشركة السنوية البالغة 160 مليار دولار، تحتاج الآن إلى جزء ضئيل فقط من الإشراف البشري الذي كانت تتطلبه قبل عامين.
الوظائف التي تختفي اليوم
لا تختفي جميع الوظائف بالتساوي. الضغط يأتي على مراحل وبشكل تدريجي.
- خدمة العملاء: (رواتب شهرية بين 2,900 و 4,600 دولار) هي المجموعة التي يتم استبدالها على نطاق واسع. تتوقع شركة "غارتنر" أنه بحلول نهاية عام 2026، ستوفر الشركات 80 مليار دولار من التكاليف المتعلقة بموظفي مراكز الاتصال عبر الذكاء الاصطناعي.
- المطورون المبتدئون: (رواتب متوقعة بين 6,700 و 9,100 دولار) يواجهون أصعب الضغوط. انخفض توظيف المطورين الجدد الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و 25 عاماً بنسبة 20% منذ عام 2024.
مقالات ذات صلة
العالم28/04/2026
مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة لرووداو: نريد فتح مضيق هرمز لكن يجب أن تنتهي الحرب
العالم28/04/2026
600 موظف في غوغل يعترضون على عقد عسكري سري
النموذج التقليدي الذي يتعلم فيه المطور الجديد من خلال المهام المتكررة قد انهار، لأن الذكاء الاصطناعي يقوم الآن بهذه المهام بشكل أفضل وبتكلفة تقترب من الصفر.
- مصممو الجرافيك وكتّاب المحتوى: (رواتب بين 4,100 و 6,700 دولار) يرون أن مهامهم تنتقل إلى أدوات الذكاء الاصطناعي. شركة "سناب" سرحت 16% من موظفيها، مشيرة صراحة إلى الكفاءة المكتسبة من خلال الذكاء الاصطناعي.
- المساعدون القانونيون: (رواتب بين 3,750 و 6,250 دولار) هم التالي في قائمة الضغط. طبيعة عملهم المنظمة، مثل مراجعة المستندات وتلخيص العقود، تتوافق تماماً مع ما تبرع فيه النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs).
الوظائف التي ستبقى
ليس كل شيء تحت التهديد، فسوق العمل لم ينهار، بل انقسم بشدة.
- مهندسو الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة: (رواتب شهرية من 13,300 إلى 23,300 دولار وأكثر) الطلب عليهم لا حدود له.
- متخصصو الأمن السيبراني: (رواتب بين 9,100 و 15,000 دولار) وظائفهم محمية لأن كل نظام ذكاء اصطناعي جديد يتطلب دفاعات تتضمن حكماً بشرياً.
- كبار مهندسي البرمجيات (Architects): أولئك الذين لديهم القدرة على الإشراف وتصحيح الأكواد التي يولدها الذكاء الاصطناعي، ارتفعت قيمتهم بشكل كبير (رواتب بين 15,500 و 18,300 دولار).
- أصحاب المهن اليدوية: وهنا تكمن المفارقة. الكهربائيون، السباكون، والفنيون (رواتب شهرية بين 5,400 و 8,300 دولار في أميركا) هم الأكثر أماناً. لا يزال الروبوت غير قادر على إصلاح أنبوب مياه متصدع في شقتك أو شحن غاز مكيف الهواء.
الخطر على مدى السنوات العشر القادمة
الأفق الأكثر إثارة للقلق ليس عام 2026، بل الفترة بين 2030 و 2032.
يقدر "غولدمان ساكس" أن 300 مليون وظيفة حول العالم ستواجه خطر الأتمتة خلال العقد المقبل. في الولايات المتحدة وأوروبا، يمكن أتمتة حوالي 25% من جميع ساعات العمل بالكامل، فيما يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن 83 مليون وظيفة ستختفي على مستوى العالم بحلول عام 2027.
الوظائف التي تبدو آمنة اليوم ولكنها ستواجه تهديداً هيكلياً خطيراً بحلول عام 2030 تشمل: مهندسي البرمجيات من المستوى المتوسط، المستشارين الماليين، محللي البيانات، ومستشاري الإدارة.
يشير جوزيف بريغز، الباحث في "غولدمان ساكس"، إلى أن الثورة الصناعية غيرت حياة العاملين في الزراعة على مدى عدة أجيال، مما أعطى العائلات عقوداً للتكيف. لكن الذكاء الاصطناعي يحدث نفس التحول الهائل في غضون سنوات قليلة فقط.
الخطر الحقيقي ليس في التكنولوجيا نفسها، بل في الفجوة بين سرعة فقدان الوظائف وبطء استجابة المؤسسات مثل التعليم، سياسات إعادة التدريب، وشبكات الأمان الاجتماعي.
