رووداو ديجيتال
لو سارت الأمور وفقاً لخطط إدارة ترمب، لكان من المفترض أن تكون الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران قد اقتربت من نهايتها، لكنها في الواقع ليست قريبة من النهاية على الإطلاق.
بعد ثلاثة أسابيع من العملية الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، يروي مسرح الحرب قصة قوة متفوقة. نُفذت آلاف الهجمات، وتم القضاء على قادة كبار، ودُمرت بنى تحتية حيوية. ووفقاً لمعايير البنتاغون نفسه، فإن العملية تسبق الجدول الزمني المحدد لها، لكن الحرب لا تتجه نحو نتيجة، بل إنها تتحول إلى شيء أكثر تعقيداً وخطورة.
عملية فعالة بمعاييرها الخاصة
من منظور عسكري بحت، كانت العملية مدمرة. فقد استهدفت الولايات المتحدة وحدها أكثر من 7,800 هدف. وأُصيبت أكثر من 120 سفينة بحرية إيرانية. كما تم إضعاف منظومات الصواريخ، ومستودعات الطائرات المسيرة، ومنصات إطلاق الصواريخ بشكل منهجي. أما العمليات الإسرائيلية فقد قضت على شخصيات رئيسية في القيادة الإيرانية، من بينهم شخصيات أمنية واستخباراتية وبسيجية رفيعة المستوى.
حتى إحصائيات الضحايا، على الرغم من مأساويتها، تعزز شعور البنتاغون بالسيطرة. قُتل ما يقرب من 2,100 شخص، من بينهم أكثر من 1,300 مدني، معظمهم إيرانيون. أما الخسائر الأميركية فهي ضئيلة بالمقارنة، حيث بلغت 13 شخصاً فقط، بعضهم نتيجة حوادث وليس القتال. بالنسبة للقادة العسكريين الأميركيين، يبدو هذا وكأنه نصر. ولكن نصر في ماذا؟
صمود إيران
على الرغم من حجم الدمار، لم تنهَر إيران، بل تكيفت. ما يظهر ليس دولة محطمة، بل دولة أعادت تنظيم نفسها، وأصبحت أصغر حجماً وأكثر لا مركزية، وربما أكثر خطورة على المدى القصير.
لقد تغيرت استراتيجية إيران إلى حرب مختلفة تماماً. فبما أنها لا تستطيع مواجهة القوات الأميركية والإسرائيلية بشكل مباشر، فإنها تستغل نقاط الضعف بدلاً من قياس قوتها بقوتهم.
الابتكار الرئيسي هو هيكلي، ويتمثل في نظام دفاعي فسيفسائي لا مركزي. تعمل ما يقرب من 30 منطقة عسكرية شبه مستقلة بتوجيهات مسبقة. لا يهم إذا قُتلت القيادة ودُمرت القيادة المركزية، فالنظام سيستمر في العمل. يقول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي: "الآن وحداتنا العسكرية مستقلة ومنفصلة إلى حد ما، وتعمل على أساس التوجيهات العامة التي أُعطيت لها مسبقاً".
هذا الوضع يسلط الضوء على المفارقة الرئيسية للحرب، وهي أن دولة فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية، لكنها لا تزال تلعب دوراً في ساحة المعركة.
المضيق الذي غير كل شيء
إذا كان للحرب نقطة تحول، فهي ليست نصراً في ساحة المعركة، بل نقطة لخنق مسرح الحرب بأكمله. تلك النقطة هي مضيق هرمز.
لقد تمكنت إيران من تحويل هرمز إلى سلاحها الأكثر فعالية، ليس من حيث التفوق، بل من حيث قدرتها على إرباك الوضع للولايات المتحدة والمنطقة والعالم من خلاله.
خلال الأسابيع القليلة الماضية، تمكنت إيران من ضرب ما يقرب من 20 ناقلة نفط باستخدام الألغام والصواريخ والزوارق السريعة. والنتيجة ليست مجرد أضرار، بل إعاقة. حركة السفن تتباطأ، وأسعار التأمين ترتفع، والتجارة العالمية تُشل. حتى أقل قدرة تخلق أكبر تأثير.
هذا يوضح عدم التوازن بشكل جلي. يمكن للولايات المتحدة القضاء على 99% من التهديدات، لكن إيران تحتاج فقط إلى 1% لتعطيل الاقتصاد العالمي. ما كان في السابق حملة عسكرية، أصبح الآن أزمة اقتصادية.
خطأ في الحسابات، وليس مفاجأة
سيناريو مضيق هرمز لم يكن غير متوقع بالنسبة للولايات المتحدة. فقد أشارت إليه الاستخبارات والقيادة العسكرية الأميركية قبل ذلك بوقت طويل. نقطة الضعف تاريخية وتعود إلى عدة عقود. ما يبدو أنه كان خطأ في الحسابات هو التوقيت والنية فقط.
لم يتوقع المخططون الأميركيون أن تقوم إيران بتصعيد الحرب إلى حرب اقتصادية بهذه السرعة وبهذا القدر من العدوانية. كما لم يتوقعوا السرعة التي ستستهدف بها إيران الدول المجاورة وتوسع الصراع على المستوى الإقليمي.
النتيجة: دخلت الولايات المتحدة الحرب دون أن تكون لديها المعدات البحرية اللازمة في مكانها لحماية المضيق. علاوة على ذلك، لم يتم تشكيل أي تحالف مسبق يكون مستعداً لدعم هذه المهمة.
الآن، إدارة ترمب في مأزق، وتعمل على التعويض دبلوماسياً وعسكرياً واستراتيجياً.
خيارات ترمب خطيرة ومعقدة
ما يجعل هذه اللحظة أكثر خطورة لإدارة ترمب هو عدم وجود طريق واضح للخروج. الخيارات المتاحة أمام ترمب ليست حلولاً، بل رهانات خطيرة لها عواقب غير متوقعة.
الخيار الأول: السيطرة على المضيق وتحمل المخاطر
إذا ظل مضيق هرمز معطلاً، فإن تداعياته الاقتصادية العالمية يمكن أن تهمش المكاسب العسكرية. الحل المقترح هو نظام مرافقة بحرية، حيث تقوم السفن الحربية الأميركية، التي قد تدعمها أساطيل الحلفاء، بتوجيه الناقلات التجارية عبر أحد أخطر الممرات المائية في العالم.
على الورق، تبدو المهمة سهلة، لكنها عملية مستمرة ومحفوفة بالمخاطر. كل عملية نقل ستصبح ممراً مفتوحاً للألغام والصواريخ والطائرات بدون طيار والزوارق الصغيرة السريعة التي تحمل مسلحين.
حتى مع أنظمة الرادار المتقدمة والدعم الجوي، يظل الأمر معقداً.
مقالات ذات صلة
ايران28/04/2026
حميد رضا غلام زادة لرووداو: ايران لازالت تصدر النفط وسوف يزداد
ايران28/04/2026
توتر سياسي ومفاوضات متعثرة حول مضيق هرمز
هجوم إيراني ناجح واحد، أو ضرب ناقلة واحدة، أو إلحاق الضرر بسفينة واحدة، يمكن أن يقوض الثقة في النظام بأكمله. في النهاية، شركات الشحن والتأمين، وليس الحكومات، هي التي تقرر ما إذا كان الخطر يستحق المجازفة. هذا ليس حلاً، بل مقامرة مستمرة.
الخيار الثاني: السيطرة على جزيرة خرج
يتحول الخيار الثاني من الدفاع إلى الإجبار. جزيرة خرج هي المركز الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية، حيث يمر عبرها ما يقرب من 90% من إنتاج البلاد النفطي. الفكرة واضحة: السيطرة عليها لخنق شريان حياة الاقتصاد الإيراني، لكن التنفيذ ليس بسيطاً أبداً.
للوصول إلى هناك، يجب على القوات الأميركية أولاً أن تمر عبر نفس المضيق المثير للجدل. ثم ستحدث عملية بحرية وبرية أمام أنظار العالم بأسره، ونتائجها غير مؤكدة. حتى لو نجحت، فإن المهمة لا تنتهي بالاستيلاء على الجزيرة، بل تبدأ من هناك.
ستحتاج القوات الأميركية إلى الدفاع عن الجزيرة ضد هجمات مضادة من داخل الأراضي الإيرانية. سيتم تركيز الصواريخ والطائرات بدون طيار وكل ما تبقى في ترسانة إيران على هدف واحد مكشوف.
وهناك خطر أكبر: إذا لحق ضرر بالبنية التحتية للنفط أثناء الهجوم أو القتال اللاحق، فإن الهدف الاستراتيجي بأكمله ينهار، بينما تحدث صدمة في السوق العالمية. هذا الخيار يخلق ضغطاً نظرياً، لكنه في الواقع يمكن أن يخلق جبهة حرب جديدة.
الخيار الثالث: مهاجمة المنشأة النووية
أحد المبررات الرئيسية للحرب هو برنامج إيران النووي، وخاصة مخزون اليورانيوم المخصب في أصفهان. هناك طريقتان للتعامل مع أصفهان. الأولى هي مواصلة القصف باستخدام ذخائر قوية وثقيلة لدفن المواد المخصبة تحت الأرض. هذا هو الخيار الأكثر أماناً من الناحية العسكرية، لكنه ليس دائماً. لأنه يعتمد على المراقبة المستمرة والافتراض بأنه يمكن إيقاف أي محاولة مستقبلية لاستخراجه في الوقت المناسب.
الطريقة الثانية هي إرسال قوات برية. تدخل فرق متخصصة إلى الأنفاق تحت الأرض، وتحدد موقع اليورانيوم وتستخرجه أو تبطله. هذه ليست مجرد عملية عسكرية، بل عملية تقنية تتطلب خبراء نوويين يرافقون القوات الخاصة. تتراكم مخاطر مثل هذه العملية بسرعة. يجب السيطرة على الموقع من قبل مئات الجنود، ومن المؤكد أن القوات الإيرانية ستدافع عنه بشراسة. المادة نفسها خطيرة، وأي ضرر يلحق بحاوية واحدة سيؤدي إلى انتشار غازات سامة ومواد مشعة.
وهذا هو نوع المهمة التي إذا حدث فيها خطأ، فإنها لا تفشل فحسب، بل تعقد الوضع أكثر.
الخيار الرابع: إعلان النصر، ولكن مع تغيير تعريفه
الخيار الأخير هو الأقل دراماتيكية من الناحية العسكرية، ولكنه الأكثر تعقيداً من الناحية السياسية.
يمكن لترمب أن يختار هذا الخيار ويتوقف عند نقطة ما. يصور العملية على أنها نصر. يشير إلى إضعاف القدرة العسكرية، والقضاء على القيادة، وتقليل التهديد الإقليمي. بعبارة أخرى، يعيد تعريف الهدف وينسحب. لكن الحروب لا تنتهي لمجرد أن أحد أطرافها يقول ذلك.
ستبقى لدى إيران القدرة على الهجوم، سواء عبر مضيق هرمز، أو من خلال هجمات إقليمية، أو ربما من خلال عمليات سرية خارج ساحة المعركة. في الوقت نفسه، قد لا تكون إسرائيل مستعدة للتوقف، خاصة إذا رأت أن لديها أهدافاً لم تكتمل.
قد يقلل إعلان النصر من المخاطر الفورية، أو قد يخلق وهماً بالنهاية، بينما يتحول الصراع فقط إلى مرحلة أطول وأقل قابلية للتنبؤ.
ما يربط كل هذه الخيارات معاً ليس فقط الخطر، بل عدم اليقين. لا يضمن أي منها أن إيران ستتوقف. لا يضمن أي منها أن المضيق سيُفتح بالكامل، ولا يقدم أي منها وضعاً نهائياً واضحاً ومستقراً.
هذا هو المأزق الاستراتيجي الذي جعل الوضع خطيراً بالنسبة لأميركا. لقد خلقت الهيمنة العسكرية خيارات، لكنها لم تأتِ بحلول.
وهم التغيير
كان أحد المبررات منذ بداية الحرب هو "تغيير النظام". لقد تراجعت هذه الادعاءات بهدوء. لا يوجد دليل موثوق على أن العملية الحالية يمكن أن تحقق هذه النتيجة. لا يوجد انقسام واسع النطاق داخل إيران، ولا انهيار داخلي، ولا انتفاضة جماهيرية. بل يظهر اتجاه معاكس، وهو التوحد.
ما تبقى داخل السلطة والنظام الإيراني يبدو أكثر تشدداً واستعداداً للصمود. لقد أضعفت الحرب السلطة، لكنها عززت الإرادة.
في قلب هذا الصراع، يوجد اختلاف جوهري. تنفذ الولايات المتحدة عمليات عسكرية بنجاح قابل للقياس، لكن أميركا لا تزال تبحث عن أهداف سياسية لم يتم تحديدها بعد، وفي كثير من الحالات قد لا تكون متوافقة مع بعضها البعض.
نهاية غير واضحة
لقد علقت الحرب الآن في مكان خطير. إنها ناجحة جداً لتبرير التوسع دون أي مخاطر، وهي غير مكتملة جداً لإعلان نصر نظيف، وهي مدمرة جداً بحيث لا يمكن تجاهلها. رسائل دونالد ترمب حتى الآن ليست واضحة. منذ البداية، قال ترمب إنه من المتوقع أن تستمر الحرب "من أربعة إلى خمسة أسابيع"، لكنها قد تستمر "مهما تطلب الأمر".
إيران، على الرغم من خسائرها، لا يزال لديها تأثير اقتصادي واستراتيجي ونفسي.
الولايات المتحدة، على الرغم من تفوقها، تواجه عقبات سياسية ولوجستية وتصعيدية وعالمية. لم يعد الأمر يتعلق بالقدرة العسكرية، فقد حُسم هذا التحدي، بل أصبح يتعلق بالتماسك الاستراتيجي. وإلى أن يتم تحديد ذلك، ستستمر الحرب، ليس لأنه يجب أن تكون كذلك، بل لأنه لم يقرر أحد كيف يجب أن تنتهي.
