رووداو ديجيتال
عندما التقيته للمرة الأولى في لندن، في نهاية التسعينيات، مرت في ذاكرتي الصورية لقطات متتالية من مشاهداتي ولقاءاتي به في بغداد قبل أن يغادرها مرغماً بسبب الملاحقات الأمنية من قبل النظام السابق.. أنا أتحدث عن الشاعر والفنان التشكيلي والكاتب العراقي صادق الصائغ الذي رحل اليوم السبت، 2 أيار 2026 في العاصمة البريطانية بعد رحلات بين المنافي كانت أهمها بيروت.
كنت أحسب المسافات في ابتسامته التي كانت مشرقة وتشع أملاً وفرحاً في بغداد، وبين ذات الابتسامة والصوت الذي يحمل أسى ومرارة الغربة المجبر عليها رغم ما يدعيه من سعادة في وسط ثقافي عراقي بين أقرانه ومن هم أصغر سناً منه أمثال الفنان التشكيلي فيصل لعيبي والروائي زهير الجزائري والباحث الاجتماعي الراحل فالح عبد الجبار والكاتبة والناقدة الأدبية فاطمة المحسن والكاتب الراحل أحمد المهنا والشاعر الراحل بلند الحيدري، والعشرات غيرهم والذين لا يتسع المجال لذكرهم هنا. كان يقرأ قصائده ويتمثل وجوده في العراق الذي ولد فيه عام 1934، وعشق عاصمته بغداد التي عاش بين أزقتها ومقاهيها مترفاً بالعطاء، فهو لم يكن شاعراً وحسب، بل كان فناناً تشكيلياً ومعداً ومقدماً للبرامج الثقافية في تلفزيون بغداد، حيث كان يشدنا بطروحاته وأسلوب تقديمه المميز.
في لندن كنت أغتنم غالبية الفرص التي تجمعنا، هو ومجموعة من الكتاب والشعراء والفنانين التشكيليين، وحتى وهو على مشارف التسعين من عمره كان يتمتع بذاكرة يقظة وكان حاضراً في نقاشاته، وابتسامته مرسومة دائماً على وجهه الذي يذكرني بكل ما هو عراقي.
رثاه الكاتب فخري كريم، رئيس مؤسسة المدى للثقافة والإعلام، على صفحته الشخصية وكتب تحت عنوان "وداعاً صادق" ما يلي: "في مكانٍ ناءٍ وعزلةٍ عن وطنه العاق وشعبه المبتلى رحل عنا قبل ساعة صادق الصائغ! صادق الذي كان طوال حياته صنو الخلق والإبداع الجميل، شعراً وفناً والتصاقاً بحياة شعبه. هذا الفقدان وفي هذه الأيام المثيرة لاكتئاب يطغى عليه الحزن لخرابةٍ تذكرنا بما آلت إليه خرابتنا التي بقينا مشدودين إلى أمل مخاتل بأنها ستتعافى، ونسترجع بعضاً من رجاء وتوق لاستعادة وطنٍ يحتفي بمبدعيه الذين فرقهم العسف على كراهة منهم في مختلف أصقاع العالم تلفهم الغربة ويعصف بهم الحنين إلى حيث يعبث بشعبهم اللصوص والعسس، يصادرون إرادتنا ويغتصبون حقنا في حياةٍ ضاق بنا الصبر لنجعل منه وطناً لا خرابة.. وداعاً صادق الصائغ لحين تجاوز الحزن لعلي أستطيع أن أرثيك كما تستحق، مبدعاً وإنساناً وصديقاً لم نوفِ حقك وأنت حي، وأبخس حقك لصوص بيت المال حتى في أصغر حقٍ يليق بسيرتك ومسيرتك الخلاقة الجميلة".
الناقد ياسين النصير، الذي رافق الصائغ في بغداد وفي منفاه، كتب عنه: "لقد فقدت بوصلتي بفقدان الكبير صادق الصائغ. سلاماً في رحلتك أيها الرفيق الشاعر والعاشق والفنان والأنيق، لم أصدق وأنا أقرأ نتاجاتك الشعرية الأخيرة وفيها ذلك الصفاء الإلهي، كيف ترحل ونحن على وعد يا صديقي، كيف، قبل يومين أنهيت كتابتي عن قصيدتك لنجيب المانع وألحقتها في كتابي الشعرية بين الأشياء والأسماء، كيف ترحل وتتركنا نهباً لهؤلاء الذين أكلوا أخضر المثقفين ويابسهم، يا صديقي يا أيها النداء المشبع بالعراق صوتاً وموقفاً صاحبتك السلامة الأبدية.
كيف يمكنني الحديث ونحن كنا في خلية واحدة نرسم خططاً لمستقبل العراق، أنت وزهير وعريان وعادل العامل و(فاضل الربيعي) وموفق الشديدي، فريق عمل ولسنا خلية مثقفين، كل اجتماع لنا نسأل أنفسنا ماذا سيكون غد العراق؟ وللأسف كانت أسئلتنا تبحث عن اللاجواب، فغادرنا هذه البلاد، وسنموت غرباء يا صادق لا أحد يمكنه التعرف على مقابرنا.
مقالات ذات صلة
ثقافة وفن10/05/2026
حفل توقيع مجموعة الشاعرة ندوة يونس "أوراق تقودها الريح"
ثقافة وفن08/05/2026
شاكيرا تُشعل حماس الجماهير بأغنية مونديال 2026
أنت يا ويلي أشم رائحتك في هواء المدن وثياب القصائد وعشقك الكوني للحرية".
الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين نعى الشاعر صادق الصائغ في بيان جاء فيه: الشاعر والفنان صادق الصائغ، الذي فارق الحياة يوم السبت الموافق 2 أيار 2026 في لندن، بعيداً عن وطنه الذي كتب له وتغنّى به في أعماله الأدبية. وبدأ مسيرته الأدبية في ستينيات القرن الماضي، حيث أسهم بشكل فاعل في إثراء المشهد الثقافي العراقي من خلال مجموعاته الشعرية، فضلاً عن حضوره في مجالي الصحافة والتلفزيون.
ولم تقتصر إبداعاته على الشعر فحسب، بل تميّز أيضاً في مجال الفن التشكيلي، وكان من أبرز المساهمين في تطوير فن الخط العربي، تاركاً بصمة واضحة في هذا المجال.
عُرف الصائغ شعرياً بأسلوبه السريالي المبتكر، وجرأته في كسر القوالب التقليدية للشعر العربي، ما جعله واحداً من الأصوات المتميزة في التجربة الشعرية الحديثة.
عاش الراحل شطراً من حياته في المنفى اللندني، إذ انعكست مشاعر الحنين والاغتراب بوضوح في قصائده.
من نتاجات الصائغ الشعرية: أنا التراب، حجر يبكي، قصائد الوحدة، نشيد الكركدن، وطن للروح، حيث هو القلب، إضافة إلى ثمانية مجموعات ستصدر عن دار المدى تحت عنوان "الأعمال الشعرية الكاملة لصادق الصائغ".
في قصيدته الشهيرة "هنا بغداد"، يقول صادق الصائغ:
هذه المَدِيْنةُ عَجيبةٌ
ضُرِبَتْ بالقنابل
سُحِقَتْ تَحتَ الأقْدام
كما تُسْحَقُ سَاعةٌ مُعَطَّلةْ
لكنَّها
وكَما لَو وُلِدَتْ للتَّو
سُمِعَتْ تَحتَ الأنْقاض تَتِكُّ
وَتَتَحَسسُّ قَلْبهَا
واوصَالَها المَفْقودة
مدينَة
في حالة حلم وهذيان
يَحْفظُ أشْعَارَها التَاريْخُ عن ظَهر قَلب
بُيوتُهَا مُهَدَّمَة
وَشَوارعُهَا مَهْجورَة
لكنَّ أعْلامهَا المُلوَّنَة
المُسْتَسْلمَة لِنَسَائم نيسَان
المُثَبَتَة فَوقَ السُطُوح
تَخْفقُ تَحْتَ الشَمس
بثياب القديسين والملائكة
