رووداو ديجيتال
روى ذوو المؤنفلين وقضاة وشهود عيان في ساحة التحرير بالعاصمة العراقية بغداد، خلال برنامج "مع رنج" الذي تبثه شبكة رووداو، قصص التعذيب التي تعرضوا لها على يد "عجاج"، جلاد سجن " نگرة السلمان".
وناقش البرنامج الجرائم المرتكبة ضد الكورد، خاصة مع بدء محاكمته اليوم الخميس، 7 أيار 2026.
فضيلة محمد، وهي إحدى النساء اللواتي تعرضن مع ذويهن للتعذيب يومياً لأكثر من 10 ساعات على يد عجاج، كانت حاضرة في البرنامج. تقول إنها بمجرد رؤية عجاج، استذكرت تلك الأيام وكيف كان يذيقهم شتى أنواع الألم والتعذيب.
وعن كيفية التعذيب، قالت: "كانت هناك أيام يقوم فيها عجاج بتعليقي أنا وشقيقتي الكبرى من الساعة السادسة صباحاً وحتى السادسة مساءً. أولئك الذين كانوا في نگرة السلمان يعرفون ذلك؛ كانت هناك أيام يضعني فيها أنا ووالدي وشقيقتي في مكان ضيق جداً مليء بالمياه القذرة (المجاري)، وكان يخرجنا كل نصف ساعة ثم يعيدنا إلى نفس المكان. أي ضمير يقبل هذا؟ لقد دفنا أحد إخوتي، وهو عزيز على قلبي، أربع مرات بأيدينا".
"عجاج قتل شقيقتي ذات الستة أشهر بخرطوم مياه"
تقول هذه السيدة الكوردية، التي تمثل واحدة من آلاف القصص المأساوية على يد عجاج، إن شقيقتها كانت تبلغ من العمر ستة أشهر فقط، ضربها عجاج بخرطوم مياه (صوندة) على رأسها واستشهدت فوراً هناك.
"الكلب الأسود في نگرة السلمان أكل جثة أخي"
وتضيف فضيلة محمد: "أخي كان يبلغ من العمر ست سنوات واستشهد على يد عجاج. قام عجاج بدفنه، لكن الدفن لم يكن لائقاً، فقام الكلب الأسود بإخراج الجثة. رأيت بنفسي الكلب الأسود وهو يخرج أحشاء أخي. أخبرت والدي بالأمر، فذهب والدي إلى المقدم إحسان وقبّل حذاءه قائلاً: (نحن مسلمون، أحضر لنا جرافة لندفن جثثنا حتى لا تخرجها الكلاب). رد عليه قائلاً: (إذا كنت تكذب فسأرميك بالرصاص فوراً)".
وتوضح: "عندما رأى والدي كبد ورئة أخي في فم الكلب، وهو الذي لم تكن في رأسه شعرة بيضاء واحدة، تحول شعره إلى الأبيض بالكامل خلال شهرين وفارق الحياة من شدة القهر. حقاً لا أعرف من أين أبدأ وعن ماذا أتحدث لك؟".
"صدام استخدم اسم الأنفال وبعض المفتين شرعنوا له ذلك"
هاوار عباس، وهو رجل دين شارك في البرنامج، قدم تقييماً شرعياً لمجازر حكومة البعث قائلاً إن "نظام البعث لم يكن له أي صلة بالإسلام بأي شكل من الأشكال، أي أنه لم يكن نظاماً دينياً أو حزباً دينياً".
وأشار هاوار عباس إلى أن "صدام حسين نفسه لم يكن شخصية دينية. ما رأيناه منهم كان معاداة صريحة للإسلام. ولكنه لكي يضفي شرعية على أعماله غير المشروعة ويستعطف الدول العربية، وفي الوقت نفسه يتخذ ذلك ذريعة لإبادة أمة".
وأضاف: "استخدم (صدام حسين) اسم السورة الثامنة في القرآن وهي سورة (الأنفال). والأنفال تعني غنائم الحرب بين فئة الكفر وفئة الإيمان. لقد أظهر الأمر وكأن الكورد أعداء للدين وأنه يبيدهم باسم الإسلام والقرآن. وللأسف حصل على فتاوى أيضاً؛ حيث جمع مجموعة ممن يسمون أنفسهم علماء وأخبرهم بنيته، وهم بدورهم أفتوا له بذلك".
كيف تم العثور على عجاج؟
تقول فضيلة محمد إنها زارت قبر شقيقتها وأخيها في نگرة السلمان عام 2025. وتذكر الأحداث جيداً لأنها كانت تبلغ من العمر 15 عاماً حينها. حتى في عام 2025 عندما زارت قبر أخيها، كانت الرفات ظاهرة وقاموا بدفنها مرة أخرى.
تحدثت فضيلة عن ذلك اليوم قائلة: "جاء شخص إليّ وسألني: من يكون هذا لكِ؟ قلت له: إنه أخي وقد استشهد على يد عجاج. قال ذلك الرجل: هل تعلمين أن عجاج لايزال حياً؟ لم أصدق وجفت الدموع في عيني. قلت: كيف لي أن أعرف؟ تبادلنا أرقام الهواتف هناك. كانا شخصين وكنا ننسق معاً. ذهبت إلى هناك عدة مرات دون علم أي جهة أمنية وتابعت الموضوع. إذا لزم الأمر، سأحضر هذين الشخصين إلى الشاشة ليعرف الجميع منذ متى وأنا أتابع قضية عجاج وأحاول العثور عليه".
"عرفتُ عجاج من بعيد بمجرد رؤيته"
وقالت السيدة الكوردية: "في المرة الأخيرة التي ذهبنا فيها، قالوا لي: نخشى ألا يكون هو! قلت لهم: فقط دعوني أراه وسأعرفه. ذهبنا بصفة أننا نطلب يد فتاة من منزل عجاج لنعرف أي نوع من العائلات هم. سارت الأمور جيداً، وفي تلك اللحظة خرج عجاج. كانت سيارتنا لاتزال بعيدة عنه، فقلت: هذا هو عجاج. من أول نظرة ومن بعيد عرفته فوراً وقلت: هذا هو نفسه. سألني أحد الرجال: كيف تيقنتِ؟ قلت: أعرفه من عينيه! أعرف ماذا فعل بنا عجاج، كيف لي أن أنسى؟".
وبيّنت: "كنت حينها في الخامسة عشرة من عمري. بعدها عدنا إلى كرميان ثم ذهبنا كفريق وسجلنا شكوى ضده. كنت أول شخص يسجل شكوى ضد عجاج".
"عجاج منع عنا الماء لخمسة أيام"
آمنة علي، سيدة كوردية أخرى من ضحايا عجاج، تحدثت عن مآسيها قائلة: "منع عجاج عنا الماء لمدة خمسة أيام. توفي اثنان من أطفالي وكان الاثنان الآخران بين يديّ ينازعان. في اليوم الخامس، أحضر عجاج صهريج ماء وسكبه على الأرض، ولم يسمح لأي منا بالشرب. ذهبت وأحضرت وعاءً لأجلب الماء لأطفالي، فضربني عجاج بخشبة على رأسي ولايزال أثرها موجوداً حتى الآن؛ أجريت عملية لعيني ولا أزال أراجع الأطباء بسبب أنفي. حينها طلبت من أحد الضباط أن يقتلني. وضع فوهة بندقيته على قلبي وسألني: لماذا أقتلك؟ قلت له: مات اثنان من أطفالي والاثنان الآخران يحتضران، لماذا أعيش؟".
"في ليلة واحدة مات 40 طفلاً في غرفة واحدة"
وأضافت آمنة علي أن طفليها اللذين توفيا بقيا عندها لمدة 10 أيام، ولم يسمح عجاج بدفنهما.
وعن وفيات الأطفال الكورد في نگرة السلمان قالت: "بقي طفلاي ميتين بين يديّ لمدة 10 أيام حتى تعفنت جثثهما. في الليل كنت آخذهما إلى جهة الرجال وفي النهار أعيدهما إلى جهة النساء. ذات صباح، جاء رجل من قريتنا بعربة يدوية وقال: أخبروني أن آخذهم وأرميهم. في تلك الليلة عددت الجثث؛ مات 40 طفلاً في تلك الغرفة. أخذوهم جميعاً ورموهم، وكان اثنان منهم طفلاي. كان عجاج يحمل كابلاً (سلكاً) أسود متيناً في يده، إذا ضربك به يقتلك. لم يكن يرحم طفلاً ولا مسناً".
آمنة علي، التي فقدت ذويها في الأنفال وسُجنت في نگرة السلمان، أخرجت "سبحة" وقالت إن ابنها كان يلعب بها دائماً في السجن، وأكدت أنها لاتزال تشم رائحة ابنها فيها وتحتفظ بها دائماً.
شخص آخر يدعى فرمان عجيب، تحدث عن التعذيب في نگرة السلمان قائلاً: "ما يحز في نفسي ولا يفارق ذاكرتي، هي عمتي (فرست) التي كانت كفيفة. ذات يوم جاء عجاج وسأل والدي: كان لديك ستة أطفال، لماذا معك ثلاثة فقط؟ قال والدي: البقية مع أختي، فهي كفيفة وتكاد تموت. ضرب عمتي بالكابل، وبالضربة الثانية سقطت، وبالثالثة غابت عن الوعي. بعدها أُطلق سراحنا، لكن والدي قال: لن أترك أختي، وبقي والدي هناك".
كما أكد فرمان عجيب أنه رأى بعينيه الكلاب وهي تأكل الجثث التي كانت تُدفن.
"عندما كنا نطلب شيئاً، كان يقول: اذهبوا ليُعطيكم جلال طالباني"
امرأة أخرى تدعى آمنة صالح، كانت تبلغ من العمر 9 سنوات آنذاك، تقول إن عجاج كان يعاملهم كبيشمركة، وبالإضافة إلى التعذيب الجسدي، كان يمارس عليهم تعذيباً نفسياً.
وقالت آمنة صالح: "كان يوجه الإهانات للبشمركة والقيادات الكوردية أمامنا، وعندما كنا نطلب أي شيء كان يقول: أنتم تابعون لجلال طالباني، اذهبوا واطلبوا منه. كان يقول: والدك بيشمركة لدى جلال طالباني، ولهذا أنتم هنا".
"سآخذ (رضاعة) شقيقتي إلى المحكمة"
تحدثت آمنة صالح أيضاً عن التعذيب المستمر والوفيات اليومية في نگرة السلمان: "كانت هناك ليالٍ ننام فيها بشكل طبيعي، لكن في الصباح نجد سبعة قد فارقوا الحياة. كنا نقفز فوق الجثث. شقيقتي ماتت من الجوع، لذا سآخذ (رضاعتها) معي إلى المحكمة وأريها لعجاج. أريد أن تصبح هذه الرضاعة رمزاً لأجزاء كوردستان الأربعة".
آمنة صالح، إحدى ضحايا الأنفال، أحضرت إلى المحكمة رضّاعة لتواجه بها عجاج التكريتي بعد أن فارقت شقيقتها الصغيرة الحياة جوعاً في سجن نقرة السلمان أثناء توليه المسؤولية هناك
— Rudaw عربية (@rudaw_arabic) May 7, 2026
ووفقاً لمحامي القضية، فقد أقر المتهم في اعترافاته بتعمد تقديم كميات ضئيلة من الطعام ومياه غير صالحة للشرب… pic.twitter.com/GRJd8PWEFl
"جريمة إبادة جماعية"
القاضي آسو محمد، رئيس محكمة الجنايات الأسبق في العراق، والذي شارك في البرنامج، قال إن "كل الإفادات التي أُخذت وما هو موجود في الملف يثبت وجود جريمة. جريمة إبادة جماعية (جينوسايد) وجرائم ضد الإنسانية. أي أن هؤلاء الأشخاص أُجبروا على العيش في ظروف قاسية جداً بقصد إبادتهم، أو إلحاق ضرر جسدي ونفسي بليغ بهم. كل هذا يندرج تحت إطار الإبادة الجماعية".
سروة محمد، البرلمانية عن الاتحاد الوطني الكوردستاني في مجلس النواب العراقي، تحدثت في البرنامج عن قضية عجاج وذكرت أنهم زاروا الأجهزة الأمنية مراراً لمتابعة الملف.
وقالت: "ذات مرة، وضع أحمد (الناجي الوحيد من گرميان) سبحته في يد نائب رئيس الوزراء العراقي وقال له: (لا نريد منكم شيئاً، فقط نريد ألا يتم حرف قضية عجاج عن مسارها)، وهناك وعدونا ووعدوا ذوي المؤنفلين بالعمل بجدية على هذا الملف".
أكرم صالح، رئيس جمعية الدفاع عن قضية الأنفال، أعرب عن أمله في أن يتحدثوا في البرنامج القادم عن كيفية تثبيت جزء من مطالبهم.
كما روى أكرم صالح قصة سلمى وابنها شاخوان، قائلاً إنه بسبب بكاء شاخوان الذي كان يبلغ من العمر سنتين، أخذه عجاج إلى غرفته وأجبره على شرب الخمر.
سلمى وابنها شاخوان من بين الأشخاص الذين سيحضرون أثناء عملية المحاكمة.
ماذا يعرف شباب العراق عن عمليات الأنفال؟
أخذ رنج سنكاوي الميكروفون في ساحة التحرير ببغداد وسأل عدداً من الشباب عما إذا كانوا قد سمعوا عن عمليات الأنفال؟
معظم أولئك الشباب لم تكن لديهم أي معلومات تذكر حول الموضوع.
بعد ذلك، قال مواطن آخر يبلغ من العمر حوالي 55 عاماً لرووداو إنه يعرف كل شيء عن عمليات الأنفال، وأضاف: "حقيقة، لم يعانِ أي شعب في العالم كما عانى الكورد. كنت في السجن بنفسي، وكنت أسمعهم يصفون الكورد بالمخربين واللصوص وقطاع الطرق. كنت أسمعهم يقولون: كيف يعيش الكورد؟ ليموتوا".
شاهد على حادثة تعذيب ضحايا الأنفال بـ "الشعبة الخامسة" عادل الفيلي لرووداو: الأطفال والنساء عذّبوا كثيراً، كان عناصر السجن يقولون: "خذوهم وأعدموهم، إنهم لا يستحقون العيش"
الفيديو مقتطف من حلقة خاصة لبرنامج "مع رنج" من بغداد قبيل بدء محاكمة عجاج التكريتي pic.twitter.com/L0veKk6SDZ
