رووداو ديجيتال
تنظر الأكاديمية، بسمة خليل نامق الأوقاتي، أستاذ العلاقات الدولية في كلية العلوم السياسية بجامعة بغداد، إلى مجريات الأمور الراهنة وما يمر به العراق من زاوية عقلانية ومنطقية بعيداً عن الانفعالات والانحيازات، منطلقة من موقعها الأكاديمي وكذلك من تحليلها الهادئ للأوضاع، ومع ذلك تعلن أسفها على الكثير من التصرفات التي أدت إلى تأخير تشكيل الحكومة، وكذلك جر العراق "إلى ساحة المواقف والأفعال العنيفة مما يضع الحكومة في حالة حرج ويرتب عليها مسؤوليات وضغوط.. للأسف حتى الآن لا يزال الأداء الحكومي متواضعاً ويبرز ذلك من خلال استمرار الأحداث والتداعيات السلبية المؤلمة التي طالت مواقع الجيش والحشد وفقدنا فيها الشهداء".
الأوقاتي قالت في حوار لشبكة رووداو، اليوم الأربعاء، (1 نيسان 2026)، عن طبيعة الأزمة الراهنة: "لا يزال أداء طبقتنا السياسية بأغلب عناوينها وقياداتها ورموزها دون مستوى التحديات التي واجهها ويواجهها البلد ولا تزال آليات العملية الانتخابية يشوبها الضعف والخلل في عكس الإرادة الشعبية والتمثيل الشعبي لصالح التمثيل الحزبي والكتلوي رغم كل محاولات التعديل والتطوير".
وعن موعد تشكيل الحكومة الذي تأخر كثيراً، قالت: "في الغالب فإن تشكيل الحكومة سيبقى ينتظر نهاية هذه الحرب الدائرة في المنطقة."
وفيما يلي نص الحوار:
رووداو: يمر العراق حالياً بأزمات سياسية واقتصادية وأمنية بسبب انجراره للمواجهة العسكرية بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، باعتقادك كيف له أن يتصرف في ظل هذه الظروف؟
بسمة الأوقاتي: سلوك العراق في هكذا ظروف تحكمه عدة مبادئ دستورية وقانونية وقرارات حكومية منضبطة مسؤولة.. فقد نصت ديباجة الدستور لعام 2005 على أن: شعبُ العراقِ الناهض توّاً من كبوته، والمتطلع بثقة إلى مستقبله من خلال نظامٍ جمهوري اتحادي ديمقراطي تعددي، عقد العزم برجاله ونسائه، وشيوخه وشبابه، على احترام قواعد القانون وتحقيق العدل والمساواة، ونبذ سياسة العدوان، والاهتمام بالمرأة وحقوقها، والشيخ وهمومه، والطفل وشؤونه، وإشاعة ثقافة التنوع، ونزع فتيل الإرهاب. أيضاً المادة (8) من الدستور أكدت على أن: يرعى العراق مبدأ حسن الجوار، ويلتزم بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ويسعى لحل النزاعات بالوسائل السلمية، ويقيم علاقاته على أساس المصالح المشتركة والتعامل بالمثل، ويحترم التزاماته الدولية. كذلك الحكومات العراقية ظلت تؤكد وفي أكثر من مناسبة عن تصميم العراق العميق على سياسة الحياد وتجنب التورط في النزاعات والحروب وأن العراق لن يكون منطلقاً أو ممراً لأي عمل عدواني تجاه أي طرف.. للأسف البعض لا يتقيد بهذه المبادئ والسياسة فيما يجري من أحداث من حولنا وفي عموم المنطقة ولديه رؤية أخرى. المشكلة أن هذه الرؤية لا ينحصر مداها في إبداء الرأي والنقاش ضمن دوائر النقاش وصنع القرار سواء في مجلس النواب أو في مجلس الوزراء.. البعض يأخذها إلى ساحة المواقف والأفعال العنيفة مما يضع الحكومة في حالة حرج ويرتب عليها مسؤوليات وضغوط.. الحكومة لا شك تمتلك خيارات متعددة لإيقاف ومنع هكذا اجتهادات منفلتة وغير مسؤولة وهي بلا شك تستطيع العودة إلى مجلس النواب لطلب الدعم والمساندة من النواب ومن ورائهم الشعب لكن للأسف حتى الآن لا يزال الأداء الحكومي متواضعاً ويبرز ذلك من خلال استمرار الأحداث والتداعيات السلبية المؤلمة التي طالت مواقع الجيش والحشد وفقدنا فيها الشهداء.
رووداو: حتى الآن وبعد أكثر من 60 يوم على الاستحقاقات الدستورية لم تتشكل الحكومة العراقية في ظل ظروف تتطلب حكومة قوية ومهنية لإنقاذ البلد؟
بسمة الأوقاتي: للأسف لا يزال أداء طبقتنا السياسية بأغلب عناوينها وقياداتها ورموزها دون مستوى التحديات التي واجهها ويواجهها البلد ولا تزال آليات العملية الانتخابية يشوبها الضعف والخلل في عكس الإرادة الشعبية والتمثيل الشعبي لصالح التمثيل الحزبي والكتلوي رغم كل محاولات التعديل والتطوير. إذ بالرغم من المؤشرات المتزايدة لحالة التوتر التي كانت تعيشها المنطقة، وما رافقها من ترقّب لصراعٍ أو حربٍ وشيكة، فإن أطراف المعادلة السياسية لم تُبدِ اهتماماً يُذكر بالإسراع في بلورة موقف وطني موحّد، يسمو فوق الخلافات، ويحسم الاستحقاقات الدستورية، ويعجّل ببناء هياكل الدولة، وذلك على الرغم مما كان يمكن أن يترتب على هكذا موقف من أثر إيجابي على المستويين الداخلي والإقليمي، بل وربما إسهامه في إنجاح دور الوساطة، باستناده إلى موقف عراقي داخلي قوي ورصين فعال ومؤثر.
مقالات ذات صلة
الآن ومع تصاعد الصراع وقيام الحرب، لا شك، تبدو الظروف أعقد وأصعب لكن القيادات الشجاعة تستطيع اتخاذ القرارات الصحيحة والمناسبة في مختلف المواقف على القيادات المجتمعية الضغط على الطبقة السياسية لإعادة ضبط الآليات الانتخابية في المستقبل نحو مزيد التأثير الشعبي المباشر الحاسم في نتائج الانتخابات وتخفيض تأثيرات الأحزاب التي تعتمد فكرة التخندق الفئوي والصفقات.
رووداو: باعتقادك هل الأزمة الحكومية تتلخص بانتخاب رئيس الجمهورية أم أن العملية كلها تمر من عنق زجاجة الخلافات داخل الإطار التنسيقي؟
بسمة الأوقاتي: للأسف الصراعات والأنانيات الحزبية والفئوية لا تقتصر على منصب أو استحقاق معين دون آخر بل تشمل مختلف مفاصل العملية السياسية والخلافات والعراقيل داخل مختلف التيارات والتكتلات وهذا ما واجهناه عقب أكثر من عملية انتخابية في السنوات الأخيرة وقد ألقت الأحداث الإقليمية والدولية الأخيرة أثرها على هذه الانتخابات.
رووداو: هناك من يعتقد أن تشكيل الحكومة مرهون بنهاية الحرب الحالية وإملاءات ترمب أو إيران على الطبقة السياسية الحاكمة في العراق.. ما هو رأيك؟
بسمة الأوقاتي: في السياسة هناك بالتأكيد تداخلات وتأثير متبادل بين أحداث الداخل والأحداث الدولية بجانب خصوصية كل حدث وحقل. وفيما يخص العراق والبناء السياسي فيه فإن الظروف التي صاحبت مرحلة التأسيس في 2003 وما تلا ذلك من حضور سياسي وعسكري أميركي في مختلف المفاصل والأحداث وما ترتب على ذلك من صياغات والتزامات ومن أهمها وجود الأموال العراقية لدى البنوك الأميركية وأيضاً الالتزام الأميركي بالأمن الاستراتيجي للعراق الذي ظهر جلياً في معركة مكافحة الإرهاب الداعشي عام 2014 وما تلا ذلك.. أما الجارة إيران فإن العلاقات معها على أكثر من صعيد وفي أكثر من مجال لا بد أن يجد أثرها وامتدادها في الجوانب السياسية خصوصاً مع إقامة جزء كبير من الطبقة السياسية طويلاً على الأراضي الإيرانية ما قبل 2003. ربما هذه التأثيرات ستنخفض مع مرور الزمن نتيجة ظهور قيادات سياسية جديدة وتطور الأحداث إقليمياً ودولياً. في الغالب فإن تشكيل الحكومة سيبقى ينتظر نهاية هذه الحرب الدائرة في المنطقة.
رووداو: هل تعتقدين أن هذه الحرب ستؤدي إلى انشقاقات في النسيج المجتمعي العراقي، على خلفية الانحياز لإيران أو لأميركا؟
بسمة الأوقاتي: مع مرور هذا الزمن على الحرب واتضاح حجم وأبعاد تفاصيلها وتطوراتها وتداعياتها والتي أتت بالتأكيد مختلفة عن الحجم والأبعاد الدراماتيكية التي كان يجري الحديث عنها والترويج لها في التصورات الأولية.. نستطيع القول إن النجاحات على المستويات العسكرية ووفق التطورات الحاصلة حتى الآن لم ولن تتحول إلى نجاحات سياسية وأن الوضع العراقي سيبقى مستقراً على مختلف المستويات.
رووداو: ما هي الخيارات المتاحة أمام الحكومة العراقية الحالية لإنقاذ البلد؟
بسمة الأوقاتي: على المستوى النظري القيادات السياسية الحقيقية في بلدان العالم تستطيع إبداع الخيارات وصناعة القرارات حيث السياسة فن الممكن كما يقولون.. لكن ظروف الحكومة العراقية وانبثاقها عن مجلس نواب تهيمن عليه الكتل والأحزاب يجعلها حكومة مكبلة محدودة الحركة وبخيارات محدودة وهذا ما نشاهده بوضوح على مسرح الأحداث.. البعض ينطلق بأحلامه وأمنياته ويطالب رئيس الحكومة بمواقف أقوى متناسياً أو متغافلاً عن آليات صناعة الحكومة وتأثير مجلس النواب على مدة حياتها وعمرها.
رووداو: يجمع عراقيون تواقيع مليونية لإلغاء نتائج الانتخابات والبرلمان والذهاب إلى انتخابات قريبة.. هل هذا ممكن دستورياً ويمكن تحقيقه عملياً؟
بسمة الأوقاتي: لا أظن أن هناك في الدستور هكذا نص وصيغة لإنهاء عمر وعمل مجلس النواب.. هل بالإمكان تحقيق ذلك عملياً؟ أكيد ممكن إن حصل على دعم من قيادات وكتل وتمت الاستجابة له باعتباره حراكاً شعبياً ضاغطاً.
