رووداو ديجيتال
في المقابلة التي أجرتها شبكة رووداو الإعلامية مع سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي رائد فهمي، قال: إن الانتخابات المقبلة تُجرى في ظل ظروف "غير متكافئة"، محمّلاً "المنظومة الحاكمة" مسؤولية الفساد وتراجع الحياة المدنية، وداعياً العراقيين إلى المشاركة السياسية وعدم ترك الساحة "لقوى السلطة التي تعيد إنتاج نفسها".
شدّد فهمي في مقابلة مع رووداو على أن البديل المدني ما زال ممكناً رغم الأزمات، وأن الإصلاح الحقيقي يتطلب تغيير بنية الحكم، لا مجرد ترميمها، مؤكداً أن "المواطنة والعدالة الاجتماعية هما الطريق نحو عراق ديمقراطي يستعيد هويته المدنية".
أضاف أيضاً أن "المال السياسي يُنفق بلا حدود، والقوى الحاكمة تستخدم موارد الدولة في حملاتها"، معبراً عن رأيه بأن بخصوص المشاركة في تلك الانتخابات بأن "المقاطعة تُعيد إنتاج المنظومة نفسها، والمشاركة، حتى المحدودة، يمكن أن تُحدث تغييراً حقيقياً"، مبيناً أن المشكلة "ليست في الثروة، بل في طريقة إدارتها" وأنهم يطرحون "مشروعاً لإصلاح بنية الدولة بالكامل لا لترميمها".
تحدث عن القوانين أيضاً، ونعتها بأنها تقيّد الحريات، قائلاً إن "التعديلات على قانون الأحوال الشخصية ومنع الكحول ارتداد مجتمعي يقيّد الحريات باسم الدين"، وقال: "الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، بل ثقافة وعدالة اجتماعية ومؤسسات حقيقية"، متحدثاً عن مستقبل العراق بأن "المنظومة الحاكمة ليست قدراً، يمكن كسرها بإرادة الناس وصوتهم الحر".
نص المقابلة:
رووداو: تخوضون الانتخابات ضمن قائمة تضم الحزب الشيوعي العراقي، وتمثل قوة مدنية وفيها شباب قريبون من حركة تشرين. أراها التحالف الوحيد بهذه التركيبة من ليبراليين ومدنيين. لكن في تكافؤ الحملة الانتخابية، تبدو الأحزاب المنافسة بمعظمها إسلامية أو ذات خلفية إسلامية. كيف ستنافسون؟
رائد فهمي: نعم، نخوض الانتخابات في ظروف غير متكافئة. ليس فقط بسبب الإنفاق غير المسبوق للمال السياسي، بل لأن القانون القائم لا يخدم الأحزاب عموماً، ومن ضمنها المدنية. فوق ذلك، قوانين مهمة لا تُطبّق، فقانون الأحزاب مثلا لا يُنفّذ كما ينبغي، وهناك استخدام واضح للنفوذ. كثير من القوى المشاركة في الانتخابات تشغل مواقع في الدولة وتستخدم مواردها في حملاتها. لذلك نقول إن مبدأ التكافؤ غير متحقق .نحن نواجه ذلك بالوسائل المتاحة لنا: التواصل المباشر مع الناخبين، طرق الأبواب، عقد ندوات صغيرة، لقاء مجموعات مختلفة، إلى جانب وسائل التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، لا شيء يغني عن اللقاء المباشر، فالناس يشعرون بإحباط شديد ويعتقد كثيرون أن الانتخابات ستعيد إنتاج المنظومة نفسها، حتى لو تغيّرت الوجوه ستبقى السياسات والمصالح ذاتها. نتفهّم هذا الشعور، لكن التفريط بالصوت ليس حلا. المقاطعة العالية مكّنت المنظومة الحاكمة من إعادة إنتاج نفسها. المشاركة يمكن أن تُحدث فرقا، وهذا خطاب لا يصل إلا عبر تماس مباشر مع الناس.
نحن نقدّم أيضا عرضا سياسيا مختلفا: الصورة العامة لدى الناس أن القوى الماسكة بالموارد متورطة بالفساد وفشلت في الحكم، وتسببت بتردي الخدمات واتساع الفجوة الاجتماعية، فضلا عن التدخلات الخارجية. مرشحونا لا صلة لهم بهذه الظواهر، ونحرص أن تكون سيرهم نظيفة مهنيا وشخصيا، وأن تكون هويتهم وطنية ومدنية.
لا نرى تعارضا بين الوطني والمدني، فالوطنية تعني تقديم مصلحة العراق، والابتعاد عن الطائفية والعصبيات والانفتاح على الآخر. والمدنية تعني الالتزام بالديمقراطية والمؤسسات واحترام المقدسات والمعتقدات، مع الفصل بين مجال الدولة ومجال الحياة الخاصة. برنامجنا وخطابنا يختلفان عمّا يقدمه الآخرون.
رووداو: خلال السنوات الماضية، هيمنت الأحزاب الإسلامية أو ذات الخلفية الإسلامية، وتراجع حضور المدنيين. هل السبب فشل الأحزاب المدنية واليسارية؟ أم تراجع التفكير المدني لدى المجتمع؟
رائد فهمي: من يطّلع على تاريخ العراق في العقود الأخيرة يفهم ما جرى للمجتمع: الحروب، الدكتاتورية، القمع، والحصار ضربت مرتكزات الحياة المدنية، وأضعفت التنظيمات المستقلة، وحوّلت النقابات إلى أذرع رقابية وأفرغتها من مضمونها. حصلت هجرة واسعة للمثقفين. ومع ضعف الدولة، لجأ الناس إلى ما قبل الدولة: العشيرة، والطائفة… كما مهّدت "الحملة الإيمانية" في التسعينيات لانتشار الأفكار الدينية على حساب المدنية.
بعد 2003، جاءت القوى الإسلامية بقوة ونفوذ، بينما كانت القوى المدنية منظّمة، ضعيفة بلا حواضن سياسية أو داعمين. الاحتلال كرّس "دولة المكونات" القائمة على الهويات الدينية والطائفية والقومية. موضوعيا، كانت كفة القوى الطائفية والإسلامية أرجح: في السلطة، وفي الإمكانات، وفي البيئة الفكرية السائدة.
مع ذلك، اجتماعيا، ما تزال مظاهر التدين المتطرف محدودة، وكثير من السلوك العام أقرب للمدنية والتديّن المنفتح. لكن على المستوى السياسي، واجهت القوى المدنية أسبابا، موضوعية وذاتية، فهي منقسمة أحيان،ا أو غير قادرة على التكيّف مع الوقائع الجديدة. كما أننا ندفع ثمن إرث أنظمة استبدادية قُدِّمت على أنها "مدنية" لكنها قمعت الحريات، فاختلط على البعض معنى المدنية والديمقراطية.
رووداو: تشريعيا،، كيف تقيّمون وضع الحياة المدنية؟ شهدنا تعديلات مثل المساس بقانون الأحوال الشخصية رقم 188، وقانون البلديات الذي منع استيراد وبيع المشروبات الكحولية، رغم أن الدستور يكفل الحريات الشخصية. إلى أين تتجه الدولة المدنية والمجتمع المدني؟ وما تقييمكم لدور الأحزاب الحاكمة؟
رائد فهمي: محاولات تعديل القانون 188 قديمة، لكن في السنتين الأخيرتين مرّت تشريعات مقيّدة للحريات، منها إضافة مواد في قانون البلديات لا علاقة لها بطبيعته لحظر الكحول. نراها محاولات لتقييد مجال مشروع من الحرية الشخصية. اللافت أن القوى التي دفعت بهذه التعديلات لم تكن تملك أغلبية لولا انسحاب التيار الصدري، ما يضع علامة استفهام على شرعية المعادلة التي أفرزت هذا البرلمان.
المجتمع في عمومه متقبّل لمرتكزات الحياة المدنية: قبول الآخر، وتديّن منفتح. هذه القوانين تُطرح غالب،ا لأهداف سياسية، لا لتنظيم المجتمع. القوى الدينية الطائفية لم تعد تملك مشروعا، سياسيا، أو أيديولوجيا، قابل،ا للدفاع، تجاربها في الحكم كشفت فساد،ا واستحواذا وفشلا في تمثيل "مكوّناتها" التي بقيت مناطقها الأفقر. لذلك يُعزف على الوتر الطائفي والمكوّناتي كرصيد سياسي.
أما قانون الأحوال الشخصية 188، فقد طبّق منذ عقود دون مشاكل مجتمعية حقيقية. إثارته اليوم صيغة لتأجيج مشاعر مذهبية ضيقة، وفيه بنود تمس حقوق المرأة والإنسان. نسأل أيضا،: لماذا صوّتت قوى تُعرّف نفسها ديمقراطية أو اشتراكية لصالح هذه التعديلات؟ هذا يعيدنا لطبيعة النظام القائم على تقاسم السلطة لا على مشروع وطني مشترك، فتغدو الشعارات “لافتات رنانة بينما تحكم المصالح.
رووداو: من يصوّت لـ«قائمة البديل» (الحزب الشيوعي وحركات شبابية ومدنية) يتوقع منكم موقفا حتى لو كنتم قلّة. ماذا ستفعلون عمليا لوقف هذا التوجّه؟
رائد فهمي: أزمة العراق ليست في قلة الموارد، بل في نمط الحكم الذي بدّد الثروات عبر الفساد وسوء الإدارة. الإصلاح الجزئي يبقى ترميما لأن البنية الحاكمة حاضنة للفساد وسوء الإدارة. البديل الذي نقترحه هو مشروع سياسي مختلف: إدارة أخرى للموارد، وإصلاحات عميقة تطال بنية الدولة، الموازنة، السياسة الاقتصادية، والقوانين الاجتماعية والثقافية، وسياسة خارجية تعزز الهوية الجامعة مع احترام الهويات الخاصة، وترسّخ المواطنة والعدالة الاجتماعية والطابع المدني.
الديمقراطية الحقة ليست انتخابات فقط لها مرتكزات ثقافية واقتصادية ومؤسسية وحريات ومساواة. مؤسسات الدولة اليوم ضعيفة ومتشظية، ودولة القانون غير مكتملة. الدعم للثقافة محدود، والقوانين التي يفترض أن تحمي الحريات الشخصية لا تُحترم كفاية. الفوارق الاجتماعية عميقة: بطالة رسمية تقارب 16–18%، ونحو 32% بين الشباب، فكيف نبني مجتمع، ديمقراطي، بهذا الواقع؟
رووداو: قد يقول قائل: مهما كانت نتائج الانتخابات، فالرئاسات موزعة سلفا بين المكوّنات (رئاسة الوزراء للشيعة، البرلمان للسنة، والرئاسة للكورد) في إطار محاصصة شبيهة بلبنان. وشعارات الشارع قومية أو طائفية. أليست رؤيتكم "طوباوية"؟
رائد فهمي: القوى الحاكمة تؤبّد الوضع بالتحريض الطائفي للحفاظ على تقاسم السلطة. لكنها تواجه فشلا وقطيعة شعبية واسعة، ونسبة كبيرة من العراقيين خارج العملية السياسية. الأزمة الاقتصادية والاجتماعية ضاغطة، ما يخلق عوامل موضوعية للتغيير، تارة بالحراك والاحتجاج، وتارة بالانكفاء.
لا نقول إن مشروعنا سيتحقق دفعة واحدة، لكن ثمة خطوات ممكنة وملموسة، مثل توسيع مظلة الضمان الاجتماعي (الصحي، والتعليم، والصحة العامة). هذه مطالب تحظى بتأييد شعبي، وحتى داخل قوى السلطة يصعب الوقوف علنا ضدها. المهم ألا يستسلم المواطن لفكرة أن الأمور محسومة. هذه المنظومة نفسها تعيش أزمات وصراعات داخلية. والوعود بالتنمية والازدهار تتطلب شروطا مؤسسية لا مجرد أموال تُوزّع. تنمية حقيقية من دون مؤسسات دولة واقتصاد ومجتمع مدني وحريات، غير ممكنة.
نرى مشاريع تُنفّذ تخدم مصالح فئات محدودة: عمران فاخر لا يحل أزمة السكن لأنه يتحول إلى مجال مضاربة بعيد عن قدرة معظم الناس. نحتاج صوتا نوعيا في البرلمان، حتى لو كان عدد مقاعده محدودا، يعبّر عن مصالح أوسع. الانتخابات ميدان صراع برامج، والبرلمان ميدان صراع بين منهج لإدارة الدولة ومنهج لحفظ المصالح. ليست الصورة سوداء بالكامل، وهناك مساحات تتقدم فيها الأفكار المدنية حتى لدى خصومها الذين يحاولون توظيف عناوين مدنية لمصالحهم.
رووداو: سؤال أخير: جيلٌ واسع وُلد بعد عام 2000. كيف تقنع شابا من "جيل زد" بأن يكون شيوعيا؟
رائد فهمي: كثير من الشباب حاسمون في مواقفهم لأنهم عاشوا واقع الانسداد. نحن ندعو إلى المواطنة، العدل، المساواة، والعدالة الاجتماعية، وهي قضايا تمس الشاب اليوم: التهميش، انسداد الأفق، غياب الفرص، ضيق مجالات تفريغ الطاقات إبداعيا وثقافيا وبدنيا. نريد فتح هذه المجالات وبناء دولة تضمن الحريات على أساس الدستور (باب الحقوق والحريات مرشدٌ لسياساتنا): حق السكن، والتعليم، والصحة، وحرية الاعتقاد… إلخ. هذا يتطلب شروطا نسعى لتحقيقها بعمل سياسي نظيف يطابق القول بالفعل. سجلّنا وشخصياتنا تشهد على التزامنا بهذه القيم.