في هذا اليوم من عام 1946 ولد الحزب الديمقراطي الكوردستاني وفي اليوم نفسه ولد الرئيس مسعود بارزاني، مصادفة تاريخية تحولت مع مرور السنوات إلى واحدة من أكثر الصور رمزية في التاريخ السياسي الكوردي حزب وقائد ولدا في اليوم نفسه، وكبرا في مسيرة واحدة، وعاشا مراحل الثورة والحرب والمفاوضات والانتصارات والانكسارات.
واليوم بعد ثمانين عاماً لا يمكن النظر إلى هذه المناسبة باعتبارها مجرد ذكرى تأسيس حزب أو عيد ميلاد قائد، إنها مناسبة لقراءة ثمانية عقود من تاريخ القضية الكوردية وما تركه الحزب الديمقراطي الكوردستاني من أثر في هذا التاريخ.
الحزب لم يولد في ظروف طبيعية
عام 1946 كان الكورد يعيشون واقعاً سياسياً صعباً وكانت المطالبة بالحقوق القومية والسياسية تحتاج إلى إرادة كبيرة وتضحيات أكبر وفي تلك البيئة تأسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وانتخب الملا مصطفى بارزاني الخالد رئيساً له، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الحركة السياسية الكوردية، وفي اليوم نفسه تقريباً، كان هناك طفل اسمه مسعود بارزاني يفتح عينيه على الدنيا، لم يكن أحد يعرف آنذاك أن هذا الطفل سيصبح بعد عقود واحداً من أبرز القادة السياسيين الكورد، وأن حياته ستتداخل بصورة عميقة مع تاريخ الحزب الذي ولد معه. الرئيس مسعود البارزاني لم يتعرف إلى القضية الكوردية من الكتب فقط. لقد عاشها بل نشأ في بيئة الثورة، وعاش ظروف اللجوء والنضال ثم التحق بالبيشمركة في سن مبكرة وواصل طريقه داخل الحزب حتى أصبح واحداً من قياداته، ثم تولى رئاسته بعد وفاة والده الملا مصطفى بارزاني الخالد عام 1979، ومنذ ذلك التاريخ أصبح اسم الرئيس مسعود بارزاني مرتبطاً بصورة مباشرة بتاريخ الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
لكن أهمية الرئيس مسعود بارزاني لا تكمن فحسبُ في كونه رئيساً للحزب، الرئيس عاش مراحل مختلفة من القضية الكوردية من الجبل إلى السياسة، ومن الثورة إلى المؤسسات، ومن المواجهة العسكرية إلى المفاوضات والعلاقات الدولية، وهذا الانتقال لم يكن سهلاً؛ فالحركة الكوردية التي كانت تواجه الأنظمة بالسلاح في الجبال أصبحت أمام مسؤولية بناء المؤسسات وإدارة الإقليم والدخول في العملية السياسية العراقية والتعامل مع المجتمع الدولي.
وهنا ظهرت إحدى أهم مراحل مسيرة الرئيس مسعود بارزاني
بعد عام 2003، دخل العراق مرحلة سياسية جديدة، وأصبح إقليم كوردستان جزءاً أساسياً من المعادلة العراقية وكان للحزب الديمقراطي الكوردستاني دور بارز في هذه المرحلة، كما كان للرئيس مسعود بارزاني حضور مؤثر في تثبيت مكانة الإقليم والدفاع عن حقوقه ضمن النظام الفيدرالي.
لكن الثمانين عاماً لا تُختصر بشخص واحد، فالحزب الذي بدأه جيل المؤسسين انتقل إلى أجيال أخرى من القيادات، وفي مقدمتها اليوم نيجيرفان بارزاني ومسرور بارزاني.
نيجيرفان بارزاني يمثل جانباً مهماً من التجربة السياسية للحزب عرفته الساحة الكوردستانية من الخدمة في صفوف البيشمرگة إلى رئيساً للحكومة لسنوات، ثم رئيساً لإقليم كوردستان، وبرز في بناء العلاقات مع بغداد والعواصم الإقليمية والدولية، مدرسته السياسية تقوم بدرجة كبيرة على الحوار، والتفاوض، وفتح قنوات التواصل حتى في أصعب الظروف وفي منطقة مليئة بالصراعات، تصبح الدبلوماسية أحياناً سلاحاً لا يقل أهمية عن أي قوة أخرى.
أما مسرور بارزاني، فقد بدأ حياته في صفوف البيشمركة، ثم انتقل إلى مواقع أمنية وسياسية، وصولاً إلى رئاسة حكومة إقليم كوردستان، واليوم يقف أمام مسؤولية كبيرة في إدارة الإقليم ومواجهة تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية معقدة.
وبين الرئيس مسعود والرئيس نيجيرفان والرئيس مسرور، يمكن قراءة ثلاثة أوجه لمسيرة سياسية واحدة.
الرئيس مسعود يمثل ذاكرة الثورة والقيادة التاريخية.
ونيجيرفان بارزاني يمثل الحوار والدبلوماسية وبناء العلاقات.
ومسرور بارزاني يمثل الإدارة والحكومة والتعامل مع تحديات المرحلة الجديدة.
قد تختلف الأدوات من مرحلة إلى أخرى، لكن القضية واحدة، والحزب واحد، والتاريخ الذي بدأ في 1946 ما زال مستمراً.
وهنا تحديداً تكمن أهمية الذكرى الثمانين.
فثمانون عاماً ليست فترة قصيرة في عمر حزب سياسي.
خلالها تغيرت الأنظمة، واندلعت الحروب، وسقطت حكومات، وتغيرت خرائط المنطقة، وظهرت قوى سياسية جديدة، لكن الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقي حاضراً في المشهد الكوردي والعراقي ومع ذلك، فإن الاحتفال الحقيقي بهذه الذكرى يجب ألّا يكون مجرد استعادة للماضي.
فالمرحلة المقبلة مختلفة تماماً
الجيل الجديد من الكورد لديه أسئلة جديدة يريد مؤسسات أقوى، واقتصاداً أفضل، وفرص عمل، وخدمات، وحياة أكثر استقراراً. والسياسة اليوم لم تعد تعتمد فحسبُ، على الشعارات والخطابات، بل على الأداء والنتائج وقدرة القيادة على إقناع الناس بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل.
ولهذا فإن السؤال الأهم في الذكرى الثمانين ليس: ماذا فعل الحزب خلال ثمانين عاماً فقط؟ بل: ماذا سيفعل خلال السنوات المقبلة؟
الحزب الذي استطاع البقاء ثمانية عقود أمام كل هذه التحولات يحتاج اليوم إلى تجديد نفسه، والحفاظ على تاريخه، وفي الوقت نفسه فهم لغة الجيل الجديد، وهذه مسؤولية القيادة الحالية.
الرئيس مسعود البارزاني، بما يمثله من تاريخ ورمزية، يبقى أحد أهم أعمدة هذا المشروع.
ونيجيرفان بارزاني ومسرور بارزاني أمام مسؤولية نقل هذا الإرث إلى مرحلة جديدة، لا تقوم فحسب على ما تحقق، وإنما على ما يمكن تحقيقه. إن قوة أي حزب لا تقاس فحسبُ بعدد سنوات عمره، وإنما بقدرته على أن يبقى مؤثراً عندما تتغير الظروف.
ولهذا فإن 16 آب ليس مجرد عيد
إنه يوم اجتمعت فيه ولادة حزب مع ولادة قائد، ثم تحولت السنوات إلى مسيرة طويلة من النضال والسياسة والبيشمركة والمؤسسات.
ثمانون عاماً مرت، لكن القصة لم تنته.
بل ربما تبدأ اليوم مرحلة جديدة منها.
فالتاريخ يمنحنا سبباً للاعتزاز، لكنه في الوقت نفسه يضع أمامنا مسؤولية المستقبل.
16 آب… ثمانون عاماً على تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وثمانون عاماً على ميلاد الرئيس مسعود بارزاني. ثمانية عقود من الذاكرة، والنضال، والقيادة، وما زال السؤال مفتوحاً: ماذا سيكتب الجيل القادم في الصفحة التالية؟



