اطلعتُ على ملف التحالفات الانتخابية المصادَق عليها لعام 2025، فوجدتني - كما كثير من أبناء هذا الوطن الموجوع - على حقٍ حين وصفنا ما يجري بأنه مسرحية عبثية تتخفّى تحت عنوان "التحالفات السياسية" بينما هي في حقيقتها صفقات مصلحية بين قوى متناقضة لا يجمعها مشروع ولا تربطها رؤية، بل تلتقي فقط عند عتبة الغنيمة، وتتزاحم عند مائدة النفوذ.
ولأننا نؤمن أن الصمت في حضرة الفساد خيانة، فقد وجب علينا – نحن العراقيين الشرفاء المنصفين – أن نُعلّق ونُحقق ونكتب، لا بمنطق المجاملات، بل بنصٍّ رصين مبين، وبأسلوبٍ ساخرٍ موجع، علّه يوقظ غافلاً، أو يفضح خللًا لم يُعالَج، أو يُحذّر من انهيارٍ يتربّص بمصير هذا البلد ، فنقول بلا خجلٍ أو وجل:
أهذه "تحالفات" أم "تخالفات"؟ ألاٰ يضحكك هذا المشهد؟ بل ألا يُبكيك؟ شرّ البلية ما يُضحك حقاً حين ترى تلك التحالفات تُعلن تباعاً وكأنها بشائر خلاص وهي في حقيقتها طبخات فاسدة في مطابخ الغش والتمويه والتكرير لا تُشبع جائعاً ولا تُصلح حالاً.
فهل هذه تحالفات؟ أم تناقضات صارخة؟ أم تحالف بين الضد وضده؟ فأين المنطق؟ وأين السياسة؟! لقد قال أهل المنطق: "الضدان لا يجتمعان ولكن قد يرتفعان"، كالسواد والبياض، أما في عراق اليوم، فقد اجتمعا فعلاً، وامتزج بهما "التناقض المنطقي" أيضاً، وهو الأشد خطورة، إذ لا يجتمع ولا يرتفع، كالحياة والموت، أو الصدق والكذب في آنٍ واحد.
ومع ذلك فقد رأيناه متجسداً في تحالفاتٍ تجمع بين التوجهات المتضادة والمصالح المتنافرة، فتراها تعلن شيئاً وتضمر نقيضه وترفع شعارات لا تنسجم مع أفعالها، فتغدو بذلك نقضاً صارخاً للعقل والضمير.
نعم: إنَّه منذ "السقوط"، لا منذ "الانتخاب"، والعراق العظيم يُنهش كما تُنهش جثة غزال في فلاةٍ بلا راعٍ ولا سند، تهافتت عليه القوى من كل صوب وحدب تنهك جسده وتقتات على أنينه فيما تتناسل وجوه سياسية ثقيلة، فُرضت على رقاب الناس بسطوة الخارج أو بقوة المال والميليشيا والسلاح حتى بات العراق حقلاً للتجارب السياسية ومرتعاً للمغامرات الحزبية الضيقة.
بات من العار أن يخرج عراقي إلى بلد ويقول كما في السابق: "إنّني أنا عراقي"، وأشدُّ منه القولُ : "أنا أعيش في العراق"، لأن العراق بما آل إليه حاله صار يُدار بأدوات لا تعكس إرادة الشعب، بل تحاكي مصالح قوى لا تعبأ بالعدالة ولا بالسيادة، وإنما تسعى خلف المكاسب بأية وسيلة.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
وقد رأينا كيف تَصَدَّرَ المشهد من لم يكن له أثرٌ في ساحات الوطنية أو سوح النزاهة، بل نبتوا في بيئات الريبة ثم انتفخوا بفعل الريع وتضخموا من ثرواتٍ لا يعرف الشعب عنها إلا الفُتات، فإذا هم يتصدرون المشهد ويضعون أيديهم على مقدرات البلاد ويزايدون على الناس بوطنيةٍ مستعارة ودينٍ مُوظَّف ومذهبٍ مُستغل.
فأين المشروع الوطني؟ وأين الرؤية الجامعة؟ لا شيء سوى تحالفات تتكرر وتتبدد كفقاعاتٍ سياسية تشغل الناس ولا تنقذهم وتستهلك الصبر وتستنزف الرجاء.
إنها ليست تحالفات بالمعنى السياسي الحقيقي، بل تواطؤات مرحلية على حساب الشعب، أشكال من "الترقيع السياسي" الذي لا يرقى إلى مستوى الإصلاح ولا يعالج أصل الخلل، بل يُعيد إنتاجه بأقنعة جديدة.
لقد مزّقوا العراق حتى صار يئنُّ من هذه "التحالفات" التي ما هي إلا خناجر مغروسة في خاصرته وعارٌ على جبينه وشهادة فشلٍ موثّقة على جبين من يُصر على تسويقها بأنها منجز ديمقراطي.
فليُدرك أصحاب الشأن - قبل فوات الأوان - أنّ التاريخ لا يُسامح ولن يرحم وأن الشعوب وإن سكتت يوماً فإنها لا تنسى، وأنّ التحالف الحقيقي لا يُبنى على المصالح الطارئة، بل على الصدق والإخلاص والكفاءة وحسن النية والإيمان العميق: بأنّ الشعب ليس سلعة والوطن ليس صفقة والكرامة لا تُقايض.
وإننا لا نكتب هذا النقد إلا من منطلق الغيرة على وطنٍ أنهكته المحاصصة وسحقته الصفقات وابتُلي بتكرار الأوهام تحت لافتات "التحالفات". وليس المقصود من هذا الطرح التشهير بأحد، بل هو صوتُ عقلٍ حرّ وصرخةُ ضميرٍ حيّ، لعلها تجد صداها في قلوب من بقي فيهم حسّ المسؤولية، قبل أن نغرق جميعاً في بحر التخاذل والتيه.
فيا من تظن أن الزيف يطول اعلمْ أن الحقّ لا يموت. ويا من تسوّق لهذه "التخالفات" على أّنها مخرج، تذكّر أن التاريخ لا يحكم بالعناوين بل بالنتائج.
ويبقى السؤال الموجع: هل سيتحوّل العراق إلى دولة مؤسسات حقيقية؟ أم أنه سيبقى رهينة تحالفات المؤقت ومستنقع اللاقرار؟.
