لم تكن نتائج الانتخابات الأخيرة في مدينة كركوك مبعث سرور للكورد، لأنه للمرة الأولى منذ عملية تحرير العراق من قبضة نظام البعث عام 2003، يحصل الكورد على مقاعد أقل من المكونات الأخرى (العرب والتركمان مجتمعين) في كركوك. السبب واضح كوضوح الشمس، فالمناكفات الحزبية بين الأحزاب الكوردستانية هي السبب الأول، ويبدو أن "الحنطة الكوردية لن تُسلق في قِدرٍ واحد" لفترة أطول . ومن ناحية أخرى، فإن ثقل التعريب في تصاعد داخل المدينة بشكل خفي.
معظم الذين تحدثتُ معهم في كركوك أو أجريت معهم برامج، وخصوصاً أولئك الذين ولدوا في أربعينيات القرن الماضي في كركوك، يجمعون جميعاً على أن العرب في كركوك إما لم يكونوا موجودين أو كانوا يُعدّون على أصابع اليد داخل مدينة كركوك، وظل الحال كذلك حتى بداية الستينيات. ولكن مع مجيء حزب البعث والقوميين العرب إلى السلطة، تم جلب العرب كالسيول وتوجهوا صوب المدينة، حيث وفرت لهم الدولة كافة مستلزمات الحياة ومنحتهم امتيازات كبيرة مقابل توجههم للسكن الى كركوك. شجعت السلطات العرب -دون النظر إلى مذهبهم- على التوجه إلى كركوك. إن كابوس وخوف "الحرس القومي" منذ عام 1963 وما تلاه لم ينجلِ بعد من داخل نفوس الفرد الكوردي العايشين في تلك الحقبة؛ فمنذ ذلك الحين استمر طرد الكورد من منازلهم وأراضيهم، والقتل والاعتقال والملاحقة حتى عملية تحرير العراق. والآن، اتخذ التعريب شكلاً ووجهاً مختلفاً، حيث أُلبِسَ ثوباً آخر تحت مسميات الأخوة، والعراق المصغر، ومدينة التعايش.
وعلى العكس من العرب الوافدين و عرب التعريب، فإن قسماً كبيراً من كورد كركوك يقطنون في السليمانية وأربيل بحجج وذرائع مختلفة وغير مستعدين للعودة إلى مدينتهم، في حين أن المسؤولين الحزبيين الكوردستانيين كانوا أصحاب نفوذ وسلطة في كركوك حتى 16 أكتوبر 2017، إلا أن مسؤولي الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني كانوا يداومون نهاراً في كركوك ويعودون ليلاً إلى منازلهم في جمجمال، أربيل، السليمانية وغيرها، وهذا ألحق أكبر ضرر بعودة السكان الكورد الكركوكيين الى كركوك. كان الأجدر بالسلطة الكوردستانية، ولو بالإكراه، أن تسكن مسؤوليها في كركوك وتحث نازحي كركوك على العودة إليها. فكيف يعقل أن يقيم المرشحون الكورد من كركوك احتفالات ورقصات (دبكات) لانتخابات مدينتهم في أربيل؟ يوجد مثل في السليمانية يُضرب كثيراً وينطبق تماماً على هذه الظاهرة، يقولون: "يأكل خبز كوناماسي، ويحرس جرتاوا!" (كناية عن الاستفادة من مكان وخدمة مكان آخر).
في الأيام الماضية، قمنا بتسجيل حلقة من برنامج (بنجةمور – البصمة) في كركوك مع شخصية من مواليد مدينة كركوك، نشأ وترعرع في خضم تلك الصراعات. ولكن والده -برأيي- قد ظلمه ظلماً كبيراً بسبب الاسم العربي الثقيل الذي أطلقه عليه؛ فمن بين كل تلك الأسماء الكوردية الجميلة، سجل اسمه في الهوية بـ (موجود)، ولزيادة التوكيد في المناداة أضاف له (عبد) ليصبح (عبدالموجود)، ولكن عندما كبر، حوّل هذا الـ "موجود" اسمه إلى اسم على تأكيد الهوية القومية .
إن كارثة انتكاسة ثورة أيلول ليست شيئاً يمكن محوه بسهولة من الذاكرة الكوردية، إلا بتأسيس دولة كوردستانية.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
استطاع حزب البعث بعد اتفاقية 6 آذار 1975 أن ينتصر مؤقتاً على الثورة الكوردستانية، لكن الثمن كان انتهاك تاريخ العراق و تغيير خارطته، حيث قدموا جزءاً من شط العرب لشاه إيران، وهل هناك ثمن أكبر من هذا؟
بعد نكسة عام 1975، بدأ حزب البعث بتكثيف سياسة التعريب في كركوك والموصل، لكن الوطنيين الكورد استطاعوا مقاومة التعريب إلى حد ما. ما سأرويه هنا أعتبره شجاعة وجرأة، وهو أيضاً حسٌ قومي ورسالة للغاصبين بأنهم لا يستطيعون محو التاريخ و الهوية بالكامل. في عام 1979 رُزقت عائلة كاك موجود بطفلة. كاك موجود، الذي لم يكن غبار هموم نكسة 1975 قد انزاح عن كاهله بعد، ومن أجل مواساة أنفسهم، أطلق عليها اسم (كوردستان). ورغم أن البعض قالوا له: "لماذا تخلق المشاكل لنفسك ولمستقبل طفلتك بيدك؟"، إلا أنه أصر على قراره، وسجلها في دائرة الأحوال المدنية باسم (كوردستان موجود).
لم يمضِ وقت طويل حتى استدعته دائرة الأمن، وطبعاً كان ذلك بعد كتابة تقارير من قبل بعض الجواسيس. يقول كاك موجود: "لم يخطر ببالي أنهم يستدعونني بسبب اسم ابنتي، بل كنت أقول إن غيظهم من مشاركتي في ثورة أيلول لا يزال في قلوبهم!".
كاك موجود رجل صادق ولا يختلق القصص، لذا حتى عندما يتحدث عن مدير الأمن يقول: "للحقيقة، عندما رآني تحدث معي باحترام، وأول شيء سألني عنه هو: هل لديك أطفال؟ قلت: نعم، لدي ابنة. قال: ما اسمها؟ قلت: كوردستان! قال: حسناً يا أستاذ، هل عُدِمت الأسماء حتى سميتها كوردستان؟ فقلت له: لماذا؟ هل هناك أي قانون يمنع التسمية بـ كوردستان؟ حينها فهمت ما هي القضية. ولكي أخلص نفسي من يده قلت لمدير الأمن: ألم يذكر الرئيس صدام حسين اسم كوردستان بنفسه عدة مرات؟ عند سماع هذا الكلام، ارتسمت ابتسامة مُرّة على وجه مدير الأمن وقال: القضية ليست هذه، بل أنت تعمدت تسميتها (كوردستان) لكي تشكل مع اسمك نغمةً نشازاً في آذاننا: كوردستان موجود!".
بعد هذا الأخذ والرد، التفت كاك موجود إلى مدير الأمن وقال: "رحم الله والديك، أنا لم أفكر في هذا المعنى، ولكن حتى لو لم أكن أنا وابنتي موجودين، فإن كوردستان تظل (موجودة)!".
فهم مدير الأمن الرسالة، وربما قال في نفسه من الأفضل ألا أثير هذا الموضوع أكثر، ولكي يثبت لـ كاك موجود أن الخونة بينهم كثر، قال: "إذا لم تكونوا أنتم تتجسسون على بعضكم البعض، كيف لي أن أعرف اسم ابنتك؟ انهض واغرب عن وجهي".
حقاً، متى نأخذ نحن الكورد العبرة والدرس من الماضي؟ في وقت يكاد "وجودنا" يقع في دائرة الخطر في بعض مناطقنا.
