ترسخت في الثقافة السياسية الكوردية، معادلة رياضية مختلفة عما تدرس في السلك الدراسي، وهي على خلاف واضح مع مبادئ الجمع والترتيب وعلوم الخوارزمية في الجبر، في الجانب الرياضي والأرقام والحساب، إن الجمع بين عدد اثنين نتيجتها تكون أربعة، لكن الرمزيات التي تحكم المشاعر لا تلتزم بتلك المعادلات الجامدة الجافة، لهذا منذ قرن كامل من الزمن وكما نسج القائد الكوردي قاضي محمد فإن في الخيال الوطني الكوردي إن الجمع بين عدد اثنين يساوي واحد وليس أربعة.
إن الغرب المستعمر، لما قضى على الدولة التركية والإمبراطورية العثمانية في 1918، بنى ستراتيجيته على تهشيم الجسد الامبراطوري العثماني والاسلامي عموماً بكل مكوناته عبر تمزيقه الى كيانات، وبين كل كيان تحت عنوان الدولة القطرية نقاط خلافية قابلة للإنفجار متى ما أرادوا الضغط على طرف من الأطراف، العرب مع انهم ذو تاريخ أو لغة واحدة وأرض متصلة وذكريات جامعة، مزقوهم الى 22 دولة بينها من المشاكل ما يكفي لإندلاع صراع مُفْني، والترك بعدة دول، والكورد كذلك، لكن مع إختلاف ظالم بين طبيعة تقسيم الأمة الكوردية عن غيرها من الأمم العربية والتركية، فهولاء كانت لهم دول مستقلة يرفرف علمها على القصر الحاكم، لكن الكورد قُسِّموا إلى قطع متناثرة تحت سلطة تلك الدول.
كان ذلك فيما يسمى بإتفاقية "سايكس - بيكو" وما تبعها من اتفاقيات سيزر ولوزان، وجُعِلَ من التقسيم الكوردي بين تلك الدول الأربعة قضية تستحق الحلّ العادل، بما حولها إلى قنابل في تلك الدول "العراق، تركيا، سوريا، إيران" جاهزة للإنفجار عندما يشاؤون، وتلك الدول حكم الشعب الكوردي بقبضة من حديد، مادته ظلم ناتج عن قوانين الوحوش البرّية، رأوا في عشرات الدول شرعاً واجب اتباعه، والحدود التي رسمته الاحتلال حدوداً يَحرُم انتهاكها، وفي العلم رمزاً للسيادة تستحق تقديم القرابين من أجل بقاءه خفاقة على تراب الوطن، التراب التي تشكلت على التقسيم وأصبحت وحدة مقدسة، وبالتالي إن سايكس - بيكو نصٌ يستوجب التجاوز عليه شن الحروب، وهم في ذلك متناقضون مع ذواتهم عندما يلعنون الاستعمار ليل نهار، في حين يقدمون القرابين البشرية لحماية تلك الاتفاقية الإستعمارية ليلاً ونهاراً.
وبذلك تحول التقسيم الى وحدة، أي أنهم يتقاتلون فداءً لحماية التقسيم بين الشعب العربي، لكن لما يريد الكورد التعامل بالمعيار ذاته أي أن يخرجوا من عباءة تلك الدول التي ظلمتهم لقرن كامل لا يتورعون من اتهامهم بأن الكورد يريدون تقسيم الأمة.
لاشك بأن من له قليل من العقل يبحث عن الوحدة، لأن في الوحدة قوة، وفيها تكمن عوامل الاستقرار والإزدهار، لكن أن تأتي تلك الوحدة بقياس عادل على الجميع، وليس بقياس انتقائي كما يعمل الغرب مع الفلسطينيين، يعطون كل حق قانوني للكيان الإسرائيلي المحتل، ويبقى المظلوم محروماً مما تعطيه القوانين الدولية من حق عادل غير غاصب لحق الآخرين.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
بكلمة أخرى، إن الشعارات التي تجابه بها الشعب الكوردي في الدول الأربعة خاصة الدول العربية، عليها أن تنفذها أولاً على نفسها لكي تكون لها المصداقية في رفع تلك الشعارات الوحدوية التي كثيراً ما تعتمد على عقلية سياسية متخلفة ونفسية ظالمة، ليس للكورد فقط وإنما للجيران كذلك، وليس للجيران الترك والفرس فحسب، وإنما للجيران من أصحاب لغة الضاد أنفسهم. من دون أن يكون ذلك مخالفاً للقيم والمبادئ الإسلامية ما ظلت تحت الخط الإيجابي المرسوم على القيم العادلة الحقة، بل هو منسجم معها.
خلال الفترات الماضية، في العقود الخمسة على وجه التقريب، عملت الأدبيات السياسية والدينية الكوردية على أن الشعب الكوردي مقسم ظلماً، وإن الوحدة هي المسلك الذي لا غفلة عنه طالما أن الحالة السياسية والقومية في الشرق الأوسط تعيش كما هي الآن، وبالتالي لا قيمة للمعادلة الرياضية، وقد نجحت الجهود كثيراً في هذا المجال، نجحت مع كل الملاحظات التي لا تنجو من دقة الفكر ونباهة العقل، ملاحظات تتعلق بالداخل وتتعلق بالخارج، لكن الشعور الوطني الكوردي على مستوى المنطقة والعالم أصبحت واحدة، عندما كشف رئيس إقليم كوردستان لمحاوره في مؤتمر السلام والإستقرار في الشرق الأوسط "meps" 18-11-2025 في دهوك عن خبر مجيء قائد قوات سوريا الديمقراطية الى المؤتمر صفق الحضور، وعندما حضر صفقوا له قياماً كما لم يفعلوا مع سياسي كوردي ضيف أو غير كوردي، والتصفيق لمظلوم عبدي جاء عفوياً، وعن رضى، أي أنه كان نابعاً من القلب الإنساني والقومي، ومع العلاقة المتميزة بين إقليم كوردستان والدولة التركية والعلاقة المتوترة بينها وبين مظلوم، لم تمنع السياسة كما هي تفعل مع الجانب المصلحي أن تصفق الأيادي الوطنية لقائد كوردي، تصفيقاً عكس السرور القلبي، ورسم الخريطة العاطفية الرابطة معه.
لا ينكر عاقل ما هو موجود من خلافات في السياسية والفكر بين الأطراف الكوردية، لكن الوعي الكوردي علا نسبياً على تلك الخلافات في محطات لا يمكن تجاهلها. لأن الإنسان الكوردي الذي أثبت قدرته على التعايش السلمي الهاديء مع الاقوام الأخرى بكل مودة وأخوة متسمة بالصدق، هذا الإنسان لا يضع قيمة لأي معادلة تخالف النتيجة الحتمية التي تقول:
إن 2+2=1 فالجمع بين الكورد في إيران -1- والعراق + 1- وسوريا +1- وتركيا + 1 = 1 وليس 4.
