تُشير كافة الأبحاث المتعلقة بالتحليل العلمي المنهجي حول الدراسات السوسيولجية الحديثة، بأن المكونات المتمثلة بالأنماط البشرية تشكل العنصر الاساسي في تأسيس شكل الحكم في أي دولة، لذا من الطبيعي أن حالة الاستعلاء والمكابرة في تهميش المكونات، سيفقد البنية الحقيقة لشكل حكم سليم يخلو من الشوائب والظواهر السلبية لبينة الدولة أو نظام الحكم.
هذا المشهد يشكل جزءاً أساسياً من الحالة التي تقوم بها السلطة الانتقالية في سوريا المتجسدة في الاستعلاء والفوقية والتجاهل وتهميش المكونات السورية كافة في المشاركة الحقيقة والفاعلة في الاستحقاق الوطني المتمثل في تشكيل نظم الحكم أو شكل الدولة السورية الحديثة على اساس المبادئ فوق الدستورية المتمثلة بحماية حقوق الانسان والحريات وتجريم الطائفية، والمبادئ الدستورية في المواطنة والعدالة والديمقراطية التي يتشارك الجميع بها في بناء سوريا التعددية المبنية على اساس العدالة الانتقالية والتوزيع العادل والمشاركة الحقيقة في القرار وتوزيع الثروات.
إن هذا التجاهل والاستفراد بالسلطة في تحديد شكل المرحلة الانتقالية المتمثلة بالمركزية الضيقة والصبغة ذات اللون الواحد، ورفض الحوار تجسد حقيقة ازدياد الشعور لدى المكونات السورية في حالة تعيد السوريين إلى مركزية حكم البعث المخلوع في الاستفراد والهيمنة على شكل الحكم وبنية السلطة في سوريا والعوامل التي أدت إلى إسقاط حكم الأسد المخلوع.
هذه الفوقية من قبل السلطة في الاقصاء والتهميش تتمثل في عدم الالتزام بالتعهدات، ومحاولة الهروب من الاستحقاقات الداخلية في سوريا وعدم إفساحها المجال للمكونات والقوميات السورية بالمشاركة في رسم شكل حكم المرحلة الانتقالية في سوريا، والبحث عن الشرعية الخارجية في دعم وتثبيت شكل الحكم في سوريا على حساب الشرعية الداخلية التي لابد أن تتولد من التعددية والديمقراطية النابعة عن مشاركة مكونات الشعب في بناء شكل الحكم في سوريا الجديدة.
إن التحليل الاستراتيجي السياسي لظاهرة هروب السلطة الانتقالية في سوريا من الاستحقاقات الداخلية والاستعاضة عوضاً عنها بالشرعية الخارجية، تمثل نهجاً للأنظمة العربية في كسب الشرعية حكمها من الدول العالمية ولاسيما الولايات المتحدة الأميركية، وتمكين أركان ودعائم حكمها على حساب شعوبها وتطلعاتهم في الديمقراطية والحرية والانتماء الوطني، ولطالما أثبت الأحداث والمستجدات في المنطقة انهيار الكثير من الأنظمة في المنطقة تحت ضغط شعوبها وتطلعاتها في الكرامة والديمقراطية من خلال الربيع العربي أو تصادم مصالح الدول الإقليمية والعالمية مع نظام الأسد وبالتالي أدت إلى سحب الشرعية الخارجية عن حكمه وانهياره.
محاولة السلطة الانتقالية في سوريا الهروب من الاستحقاقات الداخلية عبر الإقصاء التهميش المكونات السورية والاستعاضة عنها بالشرعية الخارجية تترتب عليها تداعيات خطيرة على المستوى الداخلي في سوريا وعلى المستوى الإقليمي والدولي.
تداعيات عدم وفاء السلطة الانتقالية باستحقاقاتها الداخلية على المستوى الداخلي في سوريا تتمثل في الكثير من الأمور ومن أهمها غياب مشروع حوار وطني حقيقي وشامل يجمع المكونات والأقليات السورية للمشاركة في ووضع الملامح والمبادئ الاساسية لشكل الدولة السورية الحديثة، وكذلك غياب أسس صحيحة لعملية انتقالية سياسية شاملة، مما يزيد الشعور بفقدان الثقة بين المكونات والأقليات والسلطة الانتقالية، وزيادة حالة الشرخ في بنية المجتمع السوري، وزيادة خطاب الكراهية وتراجع الشعور بالانتماء الوطني، والشعور بالخيبة في عدم قدرة السلطة الانتقالية في توفير حقوق المكونات، وكذلك تنامي الشعور في استحالة هذا السلطة وعدم قدرتها على تحقيق تطلعات الشعب السوري في بناء سوريا ديمقراطية تعددية يتشارك فيها الجميع السلطة والنفوذ وإدارة الثروات، وغياب المشاركة في بناء شكل الدولة السورية الحديثة.
كما أنها تزيد من الشعور في الإقصاء والتهميش لدى المكونات والأقليات السورية كافة، والاحساس بفوقية السلطة الانتقالية واستفرادها بمركزية القرار، ولاسيما إجراءاتها (شكلية ما سمي مؤتمر الحوار الوطني، والاعلان الدستوري الذي لم يلبي أدنى تطلعات المكونات، والحكومة ذات الصبغة الواحدة، واسلوب تشكيل الجيش السوري، والحالة الفصائلية المستمرة وعدم القدرة على تنفيذ اتفاقية آذار مع قسد. الأمر الذي ستترتب عليها تداعيات خطيرة لربما ستصل إلى حالة الصدام العسكرية واشتعال الحرب الداخلية).
كل هذا الإجراءات من قبل السلطة عززت الشعور لدى المكونات والأقليات السورية بأن هروب السلطة الانتقالية إلى الخارج هو تجسيد لحقيقة جلية الا وهي التهميش المتعمد، وعدم قدرتها على استيعاب مكونات الشعب السورية، واخفافها في تحقيق تطلعات الشعب السوري في الديمقراطية والعدالة والتشاركية في بناء شكل الدولة السورية ونظام الحكم في سوريا الحديثة التي استبشر بها السوريين بعد فرار الأسد المخلوع وسقوط نظام البعث.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
تداعيات تخلي السلطة في سوريا عن تنفيذ الاستحقاقات الداخلية، والسعي نحو الخارج من أجل كسب الشرعية الخارجية عن المستوى الإقليمي ستترب عليها الكثير من النتائج السلبية وعلى دورها في صعوبة إعادة سوريا إلى المربع الإقليمي لاستحالة أداء استحقاقاتها، لذا من أهم التحديات المتربة على ذلك صعوبة كسب الشرعية الداخلية وفقدان المصداقية في التسويق لإنجازاتها الدبلوماسية والسياسية والتي لم تنعكس لحد اللحظة على الداخل وعلى المكونات السورية، وكذلك عدم قدرة السلطة في سوريا على الوفاء بالتزاماتها الإقليمية من دون المساندة الشعبية الداخلية.
تتمثل هذه الالتزامات أمام الدول الإقليمية بالحفاظ على وحدة سوريا، والحفاظ على الأمن والأمان والسلم الأهلي ولاسيما بعد أحداث الساحل والسويداء وحمص والاشتباكات مع قسد. كل هذه الأمور والأحداث المرتبطة بالخلفية العرقية والدينة والطائفية، الأمر الذي يهدد مدنية شكل الحكم في سوريا الجديدة، كما وأنها ستوثر سلباً على أداء السلطة في سوريا أمام الدول الإقليمية ولاسيما السعودية الشقيقة التي كفلت السلطة الانتقالية في سوريا أمام ترمب لإعادة إعطاء السلطة فرصة من أجل إثبات قدرتها على بناء سوريا وتحقيق تسوية شاملة تتشارك فيها كافة المكونات في بناء سوريا الحديثة التعددية الديمقراطية.
إن من أهم التداعيات الإقليمية الخطرة تتمثل في ارتهان القرار السيادي في سوريا للأجندات الإقليمية والتي بدأت تتبلور نتائجها على الأرض السورية ولاسيما الصراع الإسرائيلي التركي في سوريا وتصريحات نتنياهو المتكررة حول نجاح إسرائيل في عدم السماح للقوات التركية في الوصول إلى الوسط والجنوب السوري، مما يمكننا من الاستنتاج بأن سوريا انتقلت من رهينة الصراع الإيراني الإسرائيلي إلى رهينة الصراع الإسرائيلي التركي، الأمر الذي سيؤثر بالتأكيد على سلامة الأراضي السورية، وعدم قدرة سوريا على استعادة عافيتها وتهديد سلامة ووحدة اراضيها.
يتوجب على السلطة في سوريا التعامل بإيجابية مع الدور الإقليمي الداعم لرفع العقوبات، والمتعهد بتقديم المساعدة في مجال إعادة إعمار سوريا، وكذلك الاعتماد على الخارطة الإقليمية المتمثلة بمؤتمر العقبة حول مستقبل سوريا، والمتمثل بتحقيق تسوية سياسية شاملة، وانتقال سياسي يضمن مشاركة عادلة لكافة المكونات السورية في العملية السياسة في سوريا تعددية وديمقراطية يتشارك فيها الجميع السلطة وتوزيع الثروات.
لا يمكن الانكار بأن توجه السلطة في سوريا إلى العالم الخارجي قد أعاد انفتاح سوريا على الدول الخارجية وإعادتها إلى موقعها الطبيعي، لكن هنالك حقيقة لابد من ذكرها بأن هذا الانفتاح الدولي على سوريا مرهون بتنفيذ سوريا العديد من التعهدات التي تعتبر فرصة لتمكين سوريا من استعادة عافيتها في تحقيق تسوية سياسية شاملة تحدد شكل الدولة السورية من دون أقصاء المكونات والقوميات.
التداعيات الدولية في عدم وفاء السلطة الانتقالية باستحقاقها الداخلية وسعيها في كسب الشرعية الدولية تترتب عليها الكثير من النتائج السلبية من أهمها الجدية في التزامها ومدى قدرتها على مكافحة الإرهاب والتطرف والتنظيمات الجهادية المتشددة، وابعادها عن الحياة السياسة السورية ومراكز القرار، وعدم جعل سوريا عامل تهديد لجيرانها، قدرتها على تحقيق الأمن والأمان، وتحقيق تسوية سياسية شاملة في ارساء العدالة والديمقراطية، ومدى قدرة السلطة في الانسجام مع مشروع ترمب في تحقيق السلام في الشرق الاوسط، والدفع الاميركي نحو التوصل لاتفاق مع إسرائيل وحفظ أمنها، لان البدائل والخيارات لذلك محدودة، ورهن التوصل لاتفاق مع إسرائيل للأجندات الإقليمية ولاسيما تركيا، الأمر الذي سيدفع إسرائيل إلى اتخاذ خطوات تصعيدية تهدد مستقبل السلطة في سوريا، وكذلك السلطة مطالبة بتحقيق توازن بين المصالح الإقليمية والدولية في سوريا على اساس المصالح والمنفعة الاستراتيجية المشتركة.
في المحصلة، السلطة في سوريا مطالبة باتخاذ خطوات جادة لمواجهة الاستحقاقات الداخلية من خلال كسب شرعية الداخل عبر تحقيق انتقال سلمي للسلطة يتمثل في الاعداد لحوار وطني شامل وحقيقي تتشارك فيه السوريين جميعاً في تقرير شكل الدولة السورية الجديدة، وعدم الارتهان لشرعية الخارجية على حساب الشرعية الداخلية.
