الهجوم على حقل كورمور في السليمانية لم يكن مجرد حادث أمني عابر، بل حلقة جديدة في تاريخ طويل من صراع الطاقة في العراق. فمنذ بدايات القرن العشرين، أثبتت الوقائع أن الثروة الطبيعية في هذا البلد كانت دائماً مفتاح السلطة وفي الوقت نفسه باباً للصراع.
كل اقتراب من ملف النفط أو الغاز كان يفتح نافذة لاضطرابات سياسية أو رسائل عابرة للحدود، حتى كأن التاريخ يقول: من يملك الطاقة لا يملك القرار تلقائياً.
الهجوم جاء في توقيت لا يمكن اعتباره مصادفة. فالعراق يعيش نقاشات محتدمة حول قانون النفط والغاز المؤجل منذ عام 2007، والإقليم يتجه نحو تشكيل حكومة جديدة قد تمتلك لأول مرة ورقة ضغط اقتصادية حقيقية عبر الغاز. بالتزامن، بدأ الاهتمام الدولي يتزايد بإمكانية تحول الإقليم إلى مورد محتمل للطاقة نحو أوروبا الباحثة عن بدائل للغاز الروسي. كل ذلك يضع حقل كورمور في موقع استراتيجي حساس، ليس في الاقتصاد فقط، بل في توازن القوى السياسية أيضاً.
الطائرة المسيّرة التي نفّذت الهجوم لم تكن بحاجة إلى توقيع؛ فوجودها في السماء هو التوقيع ذاته. إنها ليست مجرد طلقة، بل رسالة تقول: “القرار الطاقي لن يُحسم من دون حضورنا”.
وهكذا تظهر المعادلة ذاتها التي عرفها العراق لعقود: كلما اقتربت فكرة الدولة من النضج، عاد منطق القوة ليرسم حدود اللعبة. لذلك لم يكن المستهدف مجرد حقل غاز، بل ثقة المستثمر، واستقرار الإقليم، وإمكانية ولادة اقتصاد مستقل عن مراكز النفوذ التقليدية.
تاريخياً، يمكن قراءة هذا الهجوم على ضوء ثلاثة دوافع رئيسية:
أولاً، قوى إقليمية تخشى أن يتحول الإقليم إلى لاعب مستقل في سوق الطاقة، لأن الغاز يعني مستقبلاً سياسياً لا يمكن تجاهله.
ثانياً، مراكز نفوذ داخل بغداد ترى أن القرار الطاقي يجب أن يبقى بيد المركز، لا بيد حكومة إقليمية قد تمتلك أوراقاً تؤثر في التوازن الوطني.
ثالثاً، جماعات مسلحة تعتمد على اقتصاد الظل، وترى في كل مشروع استثماري كبير تهديداً مباشراً لنفوذها ومصادر تمويلها.
ما يجري في كورمور هو صراع بين سرديتين تاريخيتين: سردية الماضي التي تدير السياسة بالضغط الأمني والرسائل غير الموقّعة، وسردية المستقبل التي تراهن على الاقتصاد والتحالفات الدولية والاستثمار طويل الأمد. المعركة الحقيقية ليست بين طائرة وموقع نفطي؛ بل بين شكلين من التفكير السياسي: تفكير يرى في الغاز والاقتصاد طريقاً لبناء نموذج جديد للعراق، وتفكير آخر يرى في ذلك خطراً وجودياً على منظومة النفوذ التقليدية.
لهذا يبدو الهجوم على كورمور وكأنه اختبار تاريخي: هل يمكن صناعة مستقبل اقتصادي في بيئة سياسية ما زالت تحكمها أدوات الماضي؟ وهل تستطيع المنطقة أن تنتقل من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل الاستراتيجي؟ أم أن الماضي مازال قادراً على إسقاط أي مشروع قبل أن يحلّق؟
الخطر الحقيقي ليس في تدمير منشأة، بل في تدمير الثقة. فالمستثمر الأجنبي لا يحتاج إلى تفسير سياسي، يكفيه أن يرى مسيّرة واحدة ليغادر بصمت. والإقليم الذي يحلم بمكان في مستقبل الطاقة العالمي قد يجد نفسه في لحظة مفصلية: إما أن يحمي مشروعه بالاستقرار والوضوح، أو أن يُترك رهينة “سماء مفتوحة” لا تؤمن بإشارات المرور.
كورمور اليوم ليس مجرد حقل غاز، إنه سؤال معلّق في الهواء: هل يمكن للعراق أن يكتب فصلاً جديداً من تاريخه بغير لغة السلاح؟ أم أن الماضي مازال يمتلك حق النقض حتى على المستقبل نفسه؟.
