في الفترة ما بين صيف 2022 وحتى اليوم، تم استهداف حقل غاز كورمور 11 مرة بشكل عام باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ، ويبدو أن الهجوم الأخير كان الأكثر تأثيراً من بين جميع الهجمات السابقة، حيث أغرق جزءاً من إقليم كوردستان في الظلام الليلة الماضية. في الواقع، إن استمرار الهجمات من عام 2022 وحتى الآن، ورغم التغييرات التكتيكية، يظهر أن هذا الموضوع أكبر من مجرد توتر داخلي في إقليم كوردستان والعراق، وربما تكمن خلفه استراتيجية أكبر، ولكن المثير للاهتمام هو أن هذه الهجمات تشن غالباً في الوقت الذي تكون فيه الخلافات بين بغداد وأربيل من جهة، والخلافات بين الحزبين الرئيسيين في الإقليم (الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني) من جهة أخرى، في مستويات عالية.
في الفترة ما بين 2022-2025، تم شن 151 هجوماً بالطائرات المسيرة والصواريخ في منطقة السليمانية بشكل عام، حيث استهدف 11 منها حقل كورمور. ونظراً لاحتياطي يبلغ 75 مليار متر مكعب من الغاز السائل و7 مليارات برميل من النفط، فإن هذه المنطقة الصغيرة التي تبلغ مساحتها حوالي 140 كيلومتراً مربعاً، تحظى بأهمية بالغة لإقليم كوردستان.
في عام 2022، عندما أصدرت المحكمة الاتحادية قراراً بعدم دستورية قانون النفط والغاز في إقليم كوردستان، تصاعدت التوترات بين بغداد وأربيل حول الطاقة. وفي صيف العام نفسه، وبالتزامن مع مشروع تطوير كورمور (KM 250)، تعرض الحقل للهجوم بالصواريخ ثلاث مرات على الأقل. وفي عام 2023، بينما كانت الأطراف تستعد لانتخابات مجالس المحافظات وتزايدت الخلافات بين أطراف الإقليم، تم استهداف كورمور مجدداً بصاروخين.
منذ عام 2024، طرأ تغيير مهم في نوعية الهجمات، وهو استخدام الطائرات المسيرة بدلاً من الصواريخ التي كان الحصول عليها سهلاً حتى للجماعات المسلحة المحلية، على الرغم من أن ما حدث هذه المرة كان عبارة عن مراقبة بالمسيرات وهجوم صاروخي. في هجمات 2022-2023، كان الاستهداف يطال محيط المخازن والأماكن المهمة، لكن في الهجمات بالمسيرات خلال 2024 و2025، تم استهداف المخازن والصهاريج بشكل دقيق، مما أثر بشكل مباشر على الحياة اليومية لسكان إقليم كوردستان ومشروع روناكي الحكومي (مشروع الكهرباء الدائم) وكهرباء بعض مناطق العراق أيضاً.
والآن، حيث يقف إقليم كوردستان بعد إجراء عمليتين انتخابيتين متتاليتين بانتظار تشكيل حكومتين في أربيل وبغداد، وفي ظل وجود خلافات بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني من جهة، وخلافات بغداد وأربيل حول الموازنة من جهة أخرى، تم شن هجوم بالطائرات المسيرة مرة أخرى على كورمور.
كما يبدو؛ فإن استمرار الهجمات وتوازيها مع التوترات الداخلية قد يكون مؤشراً على أن هذه الهجمات ليست من عمل مجموعة محلية نتيجة تضارب تكتيكي في المصالح، ولكن تزامنها مع التوترات الداخلية بين أربيل وبغداد، وكذلك تزامنها مع الخلافات بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، يوجه الأنظار نحو تساؤل: هل يعتزم العقل الاستراتيجي الذي يقف خلف الهجمات استخدام غاز كورمور لتأجيج نيران الخلافات؟ هذا بالإضافة إلى الهدف الاستراتيجي المتمثل في شل إقليم كوردستان من ناحية الطاقة وإبقائه في حالة تبعية.
يواجه قطاع الطاقة في إقليم كوردستان، بالتزامن مع الهجمات الصاروخية وبالمسيرات، تغييرات كبيرة بسبب قرارات المحكمة الاتحادية ومحكمة التحكيم الدولية في باريس والتزام تركيا بقرار المحكمة، وكذلك بسبب المشاكل المتعلقة بالموازنة ورواتب موظفي الإقليم، وتوقف تصدير نفط الإقليم لأكثر من 30 شهراً، وتداول جزء من حصص روسنفت في أنبوب نفط كوردستان بسبب العقوبات الأمريكية. لكن المشكلة الرئيسية لا تكمن في تلك النتائج الاقتصادية فحسب، بل في الحسابات الاستراتيجية التي تقف وراء هجمات كورمور!
*مدير مركز رووداو للدراسات
