ها نحن اليوم نعود مرة أخرى إلى مشهد تشكيل الحكومات، ذلك المشهد الذي بات يجسّد حجم الفجوة بين النص الدستوري وبين العرف السياسي الذي يفرض نفسه بقوة على حساب إرادة الشعب. فبدل أن يكون اختيار رئيس الحكومة انعكاساً صادقاً لنتائج صناديق الاقتراع، نجد أن التوافقات والمحاصصات مازالت تتحكم بمسار العملية السياسية، وتعيد إنتاج نفس الوجوه ونفس الأسلوب في تشكيل السلطة.
فالمسار الدستوري واضح وصريح في منح الشرعية للكتلة الفائزة ولخيارات الناخبين، غير أن الواقع يشير إلى أن رئيس الحكومة سيأتي من خارج الاستحقاق الانتخابي، وبموجب تفاهمات سياسية ضيقة لا تمتّ بصلة لمطالب الشعب ولا لطموحاته. وهكذا تتحول الانتخابات إلى ممارسة شكلية، وتتراجع قيمتها كلما تم الالتفاف على نتائجها الحقيقية.
إن استمرار هذا النهج لا يضعف العملية الديمقراطية فحسب، بل يجهضها بالكامل، ويحوّل المشاركة الشعبية إلى إجراء رمزي لا وزن له في صناعة القرار. ويمثل هذا الانحراف خطراً كبيراً، لأنه يعزز فقدان الثقة بين الدولة وأبنائها المواطنين، إذ يشعر الفرد بأن صوته لا يُحترم، وأن إرادته تُستبدل بإرادة غرف التفاهمات المغلقة.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
وحين تتزعزع الثقة بين المواطن والدولة، يصبح النظام السياسي كله معرضًا للاهتزاز. فالمواطن الذي يعتقد أن صوته غير مؤثر، سيفقد الحافز للمشاركة، وسيتراجع حضوره في الحياة العامة، وهذا ما يفتح الباب لفراغ خطير في الرقابة الشعبية، ويُضعف بنية الدولة ومؤسساتها.
لذلك علينا الالتزام بما نصّ عليه الدستور، وجعله المرجعية العليا في تشكيل الحكومات وصناعة القرار السياسي، بعيدًا عن العرف الذي يتجاوز النص ويُضعف الشرعية. فالعودة إلى الدستور ليست خطوة قانونية فقط، بل هي خطوة وطنية تعيد الاعتبار لإرادة الناس، وترمم الثقة بين المواطن والدولة، وتؤسس لمسار ديمقراطي حقيقي لا يقوم على الصفقات بل على احترام صوت الشعب.
إن العراق، بكل طاقاته وأهله الذين يطمحون لدولة عادلة وقادرة، يستحق ديمقراطية فاعلة لا "مشلولة"، ودولة قانون لا تعلو فوقها الأعراف ولا تتقدم عليها التفاهمات.
