*تحقيق العدالة السريعة تؤكد أن كوردستان أرض التعايش وحكم القانون
لا مكان للتطرف في كوردستان. هذه ليست عبارة إنشائية أو شعاراً سياسياً، بل حقيقة أثبتها الواقع خلال أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة، عقب حادثة الاعتداء المشين على شواهد مقبرة الكلدان في قضاء شقلاوة. فقد تحركت الأجهزة الأمنية بسرعة ومسؤولية، وتم إلقاء القبض على الجاني، وبُث اعترافه الكامل علناً عبر وسائل الإعلام، في رسالة واضحة لا لبس فيها: الاعتداء على المقدسات، أياً كانت، جريمة مرفوضة ومدانة، ولن تمر دون محاسبة.
وقد أقرّ المتهم خلال التحقيقات بأنه سبق أن اعتدى أيضاً على مقبرة الشيخ أحمد في أربيل، العائدة لإخوتنا المسلمين، كما ثبت أنه شخص مدان سابقاً قضى محكوميته قبل سنوات. هذه الوقائع، الموثقة قانونياً، تكشف بوضوح أن ما جرى ليس حادثة ذات طابع ديني أو طائفي، بل فعل إجرامي فردي مرفوض، لا يمثل أي دين ولا أي مكوّن.
رغم ذلك، حاولت بعض الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي، التابعة والمموَّلة من قبل مليشيات وفصائل مسلحة تعمل وفق أجندات خارجية، وتفرض وجودها بالقوة على قرانا ومدننا في سهل نينوى، أن تستثمر الحادثة سياسياً، وأن تذرّ الرماد في العيون، عبر خطاب تحريضي يهدف إلى إثارة الفتنة وضرب النسيج الاجتماعي. غير أن هذه المحاولات اصطدمت بنضوج شعبنا ووعيه، وهو الشعب ذاته الذي وجّه صفعة ديمقراطية مدوّية لتلك المشاريع في صناديق الاقتراع، وأثبت أن بضاعتهم السياسية باتت (اكسپاير - منتهية الصلاحية)، ولا مكان لها بين أبناء شعبنا وأمتنا.
إن مدننا وبلداتنا، من هرموته وشقلاوة إلى عنكاوا وديانا وألقوش ومانكيش وقرولا، وسائر القرى المسيحية، هي متساوية في كرامتها ومكانتها، بلا تمييز أو مفاضلة. وإن عدم إصدار خبر وبيان فوري عقب حادثة شقلاوة لم يكن تجاهلاً البتة، فحاشا أن نتجاهل أمراً كهذا، بل كان قراراً نابعاً من معرفة مسبقة بوجود تسجيلات فيديو مصورة وموثقة للقضية، وبناءً على طلب صريح ومباشر من الاخوة في القوات الأمنية بعدم النشر إلى حين استكمال التحقيق وإلقاء القبض على الجاني. واليوم، وقد قُطع الشك باليقين، باتت الحقيقة جلية أمام الجميع.
ومن هذا المنبر، نؤكد شجبنا وإدانتنا المطلقة لتصرفات هذا الشخص، ونطالب القضاء في إقليم كوردستان بإنزال العقوبة العادلة بحقه، وبحق كل من يتطاول على كرامة شعبنا، أو ينتهك حق أي مواطن في كوردستان والعراق، أياً كان انتماؤه الديني أو القومي.
وفي هذا السياق، نتقدم بالتحية والتقدير إلى القوات الأمنية في إقليم كوردستان على استجابتها السريعة، وأدائها المهني الدقيق، كما نثمّن عالياً متابعة واهتمام دولة رئيس الوزراء، كاك مسرور بارزاني، لهذا الملف، بروح قيادية مسؤولة، وبعقلية دولة تحترم القانون وتحمي التعايش.
*رؤية مسيحية: العدالة لا الانتقام
من منظورنا المسيحي، فإن إدانة الجريمة لا تعني السقوط في فخ الكراهية أو الانتقام. فالكتاب المقدس يعلّمنا بوضوح:
"طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون" (متى 5:9).
كما يقول الرسول بولس:
"لا يُغلبنك الشر، بل اغلب الشر بالخير" (رومية 12:21).
لقد واجه القديس إسطفانوس، أول الشهداء، العنف بالحقيقة، والحقد بالصلاة، حين قال وهو يُرجم:
"يا رب، لا تُقِم لهم هذه الخطيئة" (أعمال الرسل 7:60).
وهذا ليس ضعفاً، بل ذروة القوة الأخلاقية والروحية.
*تعلمنا من كنيستنا أبجدية العيش المشترك
فقد لخّص قداسة البابا فرنسيس، رؤيته للعالم المعاصر بقوله:
"لا سلام من دون عدالة، ولا عدالة من دون أخوّة، ولا أخوّة من دون حقيقة".
كما قال في رسالة Fratelli Tutti :
"التطرف، حين يتخفّى باسم الدين، هو تشويه للدين نفسه، وعدوّ للإنسان"
نؤكد مجدداً: لا مكان للتطرف في كوردستان. فهنا، حيث تتجاور الكنيسة والجامع والمعبد، وحيث تتعانق الهويات تحت مظلة القانون، سيبقى خنجر الحقد والفتنة مرتداً إلى نحور أصحابه خائبين. وستبقى كوردستان رمزاً للعيش المشترك، والتآخي، والسلام، وشهادة حيّة على أن التنوّع ليس ضعفاً، بل مصدر قوة.
