في قلب العراق، حيث تتشابك أطياف التاريخ مع الواقع السياسي الراهن، يبرز سؤال حاد عن السيادة والشرعية: هل يُمكن للدولة فرض سلطتها على السلاح خارج نطاقها، أم أن إرث الصراعات والمليشيات يشكل حاجزاً لا يمكن تجاوزه بسهولة؟.
قرار حصر السلاح ليس مجرد إجراء إداري، بل مفصل يختبر قدرة الدولة على إعادة تعريف نفسها بين إرث الماضي وضغوط الحاضر، وبين إرادة شعبها ومتطلبات المجتمع الدولي. إن فهم هذا القرار يتطلب النظر إلى العراق ليس فقط كدولة عابرة للأحداث، بل كمساحة تاريخية ممتدة تعكس صراعات على السلطة، الهوية، والمكانة في النظام الإقليمي والدولي.
منذ سقوط النظام السابق عام 2003، أدّى الفراغ الذي خلفه انهيار الدولة المركزية إلى ولادة تشكيلات مسلحة متعددة، بعضها نشأ كرد فعل على تهديدات داعش، وبعضها تشكّل كقوة محلية على خلفيات طائفية وسياسية. هذه الجماعات، بما فيها فصائل الحشد الشعبي، أصبحت قوة فاعلة على الأرض، ولها جذور اجتماعية وسياسية بين قواعد واسعة من المجتمع. ومع أن قانون الحشد الشعبي يحاول وضع هذه الفصائل تحت مظلة الدولة، إلا أن الواقع أظهر أن العديد من هذه الجماعات لا تخضع فعلياً للسلطة المركزية، محتفظة بقدراتها ونفوذها السياسي والاجتماعي، ومستمرة في تشكيل موازين قوى محلية متشابكة مع الدولة، لكنها ليست جزءاً مباشراً من هيكلها الرسمي.
سياسياً، لا يمكن فهم هذا الملف بمعزل عن الضغوط الدولية. الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ترى في وجود السلاح خارج سيطرة الدولة تهديداً مباشراً لاستقرار العراق، ولقدراته على إدارة حدوده والسيطرة على نفوذ القوى الإقليمية. إسرائيل أيضاً تُعتبر فاعلاً غير مباشر في هذا المشهد، إذ تُمارس تهديداً مستمراً للفصائل التي قد تمتد نفوذها إلى دعم جماعات مثل حزب الله، ما يجعل العراق أمام خيارات دقيقة وصعبة. التوقعات بدخول سافايا قريباً، مع ما ترافقه من مؤشرات سياسية، تضيف بعداً جديداً يجعل من قرار حصر السلاح أمراً يبدو أقل اختيارياً وأكثر استجابة للحركة الدولية السياسية والضغط الخارجي.
داخلياً، ثمة صراع أعمق من مجرد السيطرة على الأسلحة.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
الدولة العراقية ترى في حصر السلاح وسيلة لاستعادة هيبتها ووحدتها، بينما تعتبر بعض الفصائل المسلحة سلاحها جزءاً من قوتها الذاتية في الدفاع عن قواعدها وحقوقها المكتسبة من الواقع الميداني. هذا التوتر لا يقتصر على أبعاد أمنية فحسب، بل يمثل صراعاً على تعريف الدولة نفسها ومستقبلها السياسي: هل العراق دولة مؤسسات مركزية قادرة على فرض القوانين على الجميع، أم لوحة موزاييك تتشارك فيها القوى المختلفة صلاحيات القوة والنفوذ؟.
من منظور فلسفي، هذا النقاش يعكس سؤالاً جوهرياً في نظرية الدولة: من يملك الاحتكار المشروع للعنف؟ حسب ماكس فيبر، الدولة الحديثة تُعرّف بقدرتها على الاحتفاظ بهذا الاحتكار داخل حدودها. في العراق، هذا الاحتكار مشروط بتحالفات وتوازنات داخلية وخارجية، ما يجعل فكرة حصر السلاح اختباراً لقدرة الدولة على تعريف ذاتها خارج مهادن النفوذ الإقليمي والدولي. إن هذا القرار يكشف أيضاً الصراع بين الشرعية القانونية والشرعية الاجتماعية، بين إرادة الدولة الرسمية وبين الواقع الذي تشكّله القواعد الشعبية والتاريخية للميليشيات المسلحة.
التاريخ العراقي يقدم دروساً عديدة حول صعوبة فرض القوة من المركز على الأطراف. كل تجربة في العراق منذ بدايات القرن العشرين وحتى ما بعد 2003 تعكس كيف أن أي محاولة لتركيز القوة في يد الدولة اصطدمت بمقاومة محلية أو تحالفات إقليمية، تجعل من هذا القرار ليس مجرد خيار سياسي، بل اختباراً للمرونة والدبلوماسية والحكمة في إدارة الأزمة.
في النهاية، النزاع حول حصر السلاح ليس قراراً فنّياً يمكن فرضه بسهولة، بل هو مفترق طرق سياسي وتاريخي. فهو يجمع بين الضغوط الدولية التي تجعل التنفيذ شبه إجباري وبين المعوقات الداخلية التي تجعل القرار تبديلاً عميقاً في بنية السلطة والعلاقات بين الدولة والمجتمع. القرار إذاً ليس مجرد اختيار حر بقدر ما هو نتيجة لتفاعل قوى متعددة، واختباراً حقيقياً لقدرة العراق على إعادة تأكيد سيادته ومشروعه الوطني، بين إرث التاريخ ومتطلبات العصر، بين إرادة الدولة وضغوط الخارج.
