في خضمّ الأزمات المتراكمة التي يعيشها المجتمع، تُختبر القيم الإنسانية في أدقّ التفاصيل، وتُقاس درجة التحضّر لا بالشعارات ولا بالمظاهر، بل بكيفية تعاملنا مع الأضعف بيننا.
وتمثّل الحيوانات عموماً، والكلاب السائبة على وجه الخصوص، واحدةً من أكثر القضايا التي تكشف حقيقة الضمير الجمعي للمجتمع، بين من يرى فيها أرواحاً تستحق الحياة، ومن يراها عبئاً يمكن التخلّص منه بالقسوة.
كثيرون يوجّهون سهام النقد نحو الحيوان، ويحملونه مسؤولية الخوف أو الإزعاج أو الخلل، وكأنه الفاعل لا الضحية. يلومون الكلاب السائبة على وجودها في الشوارع، ويتجاهلون السؤال الأهم: من أوصلها إلى هناك؟ فالحيوان لا يخطّط، ولا يهمل، ولا يضع السياسات، ولا يتخذ قرارات مصيرية، بل يعيش وفق غريزته، ويتكيّف مع واقع فُرض عليه.
إن الكلاب السائبة ليست عدواً للإنسان، ولم تختر الشارع موطناً لها بإرادتها، بل وجدت نفسها فيه نتيجة الإهمال، وغياب التخطيط، وانعدام البرامج المستدامة لإدارة هذه الظاهرة. ومع ذلك، تُواجَه في كثير من الأحيان بأبشع الأساليب من قتلٍ وتسميمٍ وتشويه، وكأنها المذنب الوحيد، بينما يُغفل السبب الحقيقي المتمثل في فشل الإدارة وغياب الحلول الحضارية.
إن قتل الأرواح البريئة، مهما كانت الذرائع، لا يمكن أن يكون حلاً. فالقسوة لا تبني أمناً، والعنف لا يصنع استقراراً، بل يترك جراحاً أخلاقية عميقة في جسد المجتمع. والأسوأ من ذلك أن تبرير القتل بدافع الخوف أو الضيق، يعني تحميل الضحية وزر الخطأ، وإعفاء المقصّر من مسؤوليته.
وقد أثبتت مواقف كثيرة أن بعض هذه الكائنات تمتلك وفاءً ونقاءً يفوق ما نجده أحياناً لدى بعض البشر، الأمر الذي يضعنا أمام سؤال أخلاقي صريح: أي مجتمع نريد أن نكون؟ مجتمع يلوم الضعيف أم مجتمع يتحمّل مسؤوليته؟.
إن المعالجة السليمة لظاهرة الكلاب السائبة تبدأ أولاً بالاعتراف بأنها قضية إنسانية وصحية وتنظيمية، وليست قضية أمنية بحتة.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
وهي تتطلب إرادة حقيقية، وخططاً طويلة الأمد، وتعاوناً جاداً بين الدولة والمجتمع، بعيداً عن الحلول المؤقتة التي لا تنتج إلا مزيداً من المعاناة.
ومن أهم الأسس التي ينبغي اعتمادها:
- إنشاء مراكز إيواء وملاجئ إنسانية تُجهّز بما يلزم من رعاية وغذاء.
- نقل الكلاب السائبة من الأحياء السكنية إلى أماكن آمنة وبعيدة عن التجمعات.
- تنفيذ برامج تلقيح منتظمة للوقاية من الأمراض.
- اعتماد التعقيم كحل حضاري للحد من التكاثر العشوائي.
- إشراك الأطباء البيطريين والجهات المختصة في إدارة هذه البرامج.
- دعم منظمات المجتمع المدني والمبادرات التطوعية العاملة في مجال الرفق بالحيوان.
- نشر الوعي المجتمعي بثقافة الرحمة والمسؤولية، وترسيخ هذه القيم في المناهج ووسائل الإعلام.
إن الرحمة بالحيوان ليست قضية ثانوية، ولا ترفاً أخلاقياً، بل هي مرآة تعكس مستوى الوعي والتحضّر. فالمجتمع الذي يُدين الحيوان ويُبرّئ الإنسان، مجتمع يتهرّب من الحقيقة، ويؤجل مواجهة أزماته الأخلاقية.
الحيوان بريء والذنب ذنب الإنسان، والرحمة أولاً لأن الأوطان لا تُبنى بالقسوة، بل تُحفظ بالعدل، وتُزهر بالرحمة.
