خرجت هي كما الناس كلهم في ليلة تعودوا الخروج فيها لإبداء شيء من الفرح في أيام العراق المظلمة ولياليها الحالكة، ليست جديدة على الناس الخروج في مثل هذه الأوقات، فالهم الكبير القابض على القلب يدفع الى البحث عن ما يخفف أو ينسي ولو كان خداعاً للنفس، لكن لا بديل في ظل نوعية الحياة التي رسمها الساسة، وتلك الأخرى التي تتخرج أصحابها من صفوف الشاشات الكبيرة والصغيرة الذكية.
خرجت ولم تكن مستثناة، ولا كانت وحيدة في شارع أراد له المسؤولون ان يكون عنوان الجمال للمدينة التي لها من التاريخ ما يعجز المرء عن ذكر أيامه والدور الذي أداه في تشكيل ذاكرة الأبناء، ليس أبناءها لوحدهم وإنما التاريخ الإسلامي كله، وهو كورنيش شط العرب.
لم تكن الفتاة التي تعرضت لهجوم بشع لحد محاولة نزع لباسها وإيذائها في عِرضها، لم تكن مستفزة بلباسها، ولم تكن ممن تتحرش بعطرها الفواح بالشباب السائبين لمطاردتها، كانت طبيعية وأكثر بالنسبة الى الأجيال الجديدة، وبالمقارنة بكثير من الأخريات فإنها كانت محتشمة، ومن عائلة طبيعية من العوائل التي ظلمتها الأحداث التي لفّت الشعب العراقي وأخرجته من طوره الطبيعي، لكن في مثل هذه الأوقات، فإن الخروج من المنزل وبما أن الحضور والإحتشاد على شارع الكورنيش في ليلة رأس عام وليس خاصاً، إن الخروج في أوقات كهذه يكون بناء على ثلاثة أسس وبالاعتماد عليها:
1- ذات الشخص الذي يبحث عن نزهة قصيرة، هنا تربية الشخص ووعيه وإنتباهه على نفسه يكون هو المدخل، قد يمهد هو الطريق للتحرش والمعاكسة، أي أن كيان الشخص وتكوينه السلوكي والعقلي لها دور في وضع سياج الحماية حول نفسه، من حيث التصرفات وإرسال الإشارات أو رفض إستقبالها من المشاكسين، ومن حيث النباهة العقلية، أي فهم الفتاة للجو المحيط وقراءة حركات المشاة والسيارات، إن كان الأمر على غير ما يرام والتحرشات بدأت من دون وجود مانع تربوي أو أمني عليها أن تقرر البقاء أو المغادرة، في مثل فتاة البصرة وكورنيش شط العرب، يبدو بأن المكان كان مليئاً بالناس، وحتى العوائل، وربما صغر عمرها وحداثة سنها وهالة المناسبة كل ذلك لم يسعفها في التفكير واتخاذ القرار، فبقت واستمرت، بالاعتماد على الأساسين الآخرين.
2- التربية العامة للناس، هي الأساس الثاني، وهو أكثر ما يعطي الثقة للمرء وهو يغادر المنزل ليلاً أو نهاراً، ثم إن المجتمعات التي تقول عن نفسها أنها محافظة، والعادات أو التقاليد الموروثة في بيئة قبلية تكون محصنة، خاصة إذا كان صوت أهل الدين هو الطاغي والمسيطر في تسيير الأمور العامة، وهي الصوت الذي يتردد في الأرجاء، البصرة ذات تاريخ عريق في التربية والتنشئة، ومن لم يسمع بمجالس حسن البصري التربوية؟، لكن يبدو أن المسار مع الحياة الحديثة وعولمة النمط الغربي المادي اللاديني انحرف، واختلفت الغايات لحد التناقض، فلم تعد المساجد هي التي تربي، وإنما الشاشة الذكية بكل ما فيها من السوء وافساد الذوق العام، والدين أضحى كالدين المسيحي الغربي، لا يتجاوز الطقوس الظاهرية، وتسخيرها لمكاسب دنيوية، ما يسمى بالتدين الألكتروني، ليس متجذراً في القلوب بل يحضر الدين بقرار ويذهب بقرار كأي قرار آخر في التجارة وكسب المال الكثير، كأن الدين أضحى عاملاً من عوامل الفوز في منافسات الحصول على متاع الدنيا، وما التجمعات سوى لإبراز الهوية الدينية، وليس لزرع قيمها، وفي المقدمة "قيمة العفة"، عفة اليدّ وعفة العِرْض.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
إن التربية العامة خذلت فتاة البصرة، لم تحمها، ولم يعد التاريخ ذاك التاريخ الذي يرى في حماية عرض المرأة حماية لعرض الأمة كلها، ذلك بعد أن حوَّلت وساخة اليد عفة العرض الى ما يمكن المقايضة عليها، أو النظر اليها كما ينظر إلى مال حرام يمكن الحصول عليه بشيء من الصراخ والقوة الفاجرة.
لست من دعاة تحديد النسل، لكن النسل الفاسد، أو العاجز عن القيام كما يريد له خالقه لا يكون محمياً من وضع علامات استفهام أمامه، هي الدنيا تتغير، لقد سجل لنا القرآن الكريم أن الجاهليين كانوا يقتلون أولادهم خشية إملاق، الخوف من يكابد هو الحياة، أو الخوف من أن يتسبب بحياة الفقر لذويه، لكن الآن ليس الخوف من الفقر هو العامل الحاسم، بقدر ما يتسبب بقلة في التربية، ليس قلة المال فحسب، لقد تفوقت قلة التربية وانعدامها على قلة المال وعجز العائل.
لا أدري.. فألم صراخ الفتاة لا يعطي راحة للعقل من التفكير والتساؤل هل يمكن الإنجاب ورمي الأبناء في الشوارع دون تربيهم؟ لا يمكن للمرء أن يتغافل عن العوامل المؤثرة في التربية، من العائلة وقدوتها، والبيئة الدراسية والإجتماعية المحيطة بها، وصديق السؤ، مع أدواتها من الأفلام والألعاب الألكترونية، والمواد القبيحة المنشورة دون رقيب على وسائل التواصل الاجتماعي. كل ذلك وصراخات فتاة البصرة تؤكد لنا أن التربية الفردية هي الأساس، وأن قدوة العائلة لها الدور الأبرز في زرع القيم والأخلاق، وإن التقوى واليقين الفعّال بأن عين الله تراقب هو الحامي، وإن حساسية القلب المؤمن اليقظ هي ما تحفظ الأمول والأعراض، وإلا فإن فتاة البصرة ليست سوى بدايات، بدايات تؤشر لنهايات مؤلمة، ويا ويل للمجتمع الذي تنفلت فيها الكوابح، يا ويل للمجتع الذي تنعدم فيها الضوابط، حينئذ لن يقدر الإنسان على التمييز بين أنواع السائبين، من الكلاب والبشر أجمعين، فما يجعل الإنسان إنساناً هو العقل والإنضباط وإلا فينعدم الفرق بينه وبين الحيوانات. ونحن لقد خلقنا الله إنساناً ولم يرد لنا أن نكون كلاباً سائبين.
3- الحماية الأمينة ونزول قواتها الى تلك الشوارع والمناطق التي يزدحم، وكما هو المعتاد إن سيارات الشرطة والنجدة مع مفارز الأمن وعيون المخابرات كلها تشارك للحفاظ على الجوّ العام، وحماية العوائل المحتفلة، بغض النظر عن الرأي المخالف بالإحتفال في مناسبات لها نوع من البعد الثقافي غير الأصيل، فشلت القوات الأمنية وقصّرَت في مهامها، فهي متهمة، لكن الغرابة في تصريحات المسؤولين المحليين في بصرة أن الحادث طبيعي !!، يا لله، لقد تبلد الحس إلى درجة النظر الى هجوم جماعي مسعور على فتاة قاصر في مكان أكثر من عام بأنه طبيعي، ربما تخيل السيد المسؤول أن الدين وأخلاقياته قد ذهب مع رياح عدّ الدراهم، وتساوى مع عبّاد البقر من الحيوانات.
إنّ أسس التربية العامة والحماية الأمنية خذلتا فتاة البصرة، ولم تعد لصراخها المستغيث من قيمة لديهما.
