حان الوقت لقيام دولة المؤسسات في العراق، وإنهاء الحسابات الحزبية الضيقة التي عطّلت الدولة وأربكت المشهد السياسي لسنوات طويلة. لقد دفع العراق والعراقيون ثمناً باهظاً للمحسوبيات والتسويات الحزبية، ما أدى إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتراجع مستوى الخدمات، وإضعاف ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها. فالأزمات المتراكمة لا يمكن حلها إلا بإدارة تعتمد على الكفاءة والشفافية والالتزام بالقانون، بعيداً عن الولاءات الضيقة والانتماءات الحزبية.
واحدة من أبرز مظاهر الفوضى التي تعاني منها البلاد هي انتشار السلاح خارج سلطة الدولة، سواء بين بعض الأحزاب التي تمتلك أجنحة مسلّحة أو بين العشائر التي تملك مختلف أنواع الأسلحة. فحين يحدث أي خلاف، تتحول الشوارع إلى مشاهد شبيهة بأفلام الأكشن التي تعرض بدور السينما بهوليوود، كما لو أن القانون قد غاب والشارع أصبح الساحة الوحيدة للفصل في النزاعات. لهذا فإن حصر السلاح بيد الدولة ليس مجرد مطلب أمني، بل هو ركن أساسي في بناء دولة المؤسسات وترسيخ سلطة القانون، وحماية المجتمع من الانفلات والفوضى، وضمان أن تُحل النزاعات بالحوار والقضاء لا بالعنف.
إنّ بناء الدولة الحديثة يحتاج إلى حكومة ومؤسسات تعتمد على معيار الكفاءة والخبرة والاختصاص، وأن يكون ولاؤها للعراق أولاً وأخيراً. الدولة لا تُبنى بالشعارات ولا بالموازنات السياسية، بل بالمؤسسات القادرة على وضع السياسات الصحيحة وتنفيذها بفعالية، وتحقيق العدالة، وحماية حقوق المواطن، وبناء اقتصاد مستقر ومستدام.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
إنّ إنهاء الترضيات السياسية ليس مطلباً نخبوياً أو شعاراً انتخابياً، بل هو حاجة وطنية ملحّة لجميع العراقيين. فالمستقبل الحقيقي للعراق يعتمد على دولة قوية، متماسكة، عادلة، تستطيع أن تضمن فرصاً متساوية لكل مواطن، وتحمي الدولة من الانقسام والفوضى، وترسخ مبدأ المواطنة والقانون، وتعيد ثقة الشعب بمؤسساته.
ولكي نضمن ديمومة العملية الديمقراطية ونعالج جذور هذه الأزمة، قد يكون من الضروري التفكير في تحويل العراق من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، على أن تُجرى الانتخابات البرلمانية بشكل منفصل عن الانتخابات الرئاسية. هذا التغيير يمنح المواطن دوراً مباشراً في اختيار قياداته، ويعزز الاستقرار، ويضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار، بعيداً عن المحاصصات والولاءات المؤقتة.
إنّ العراق أكبر وأغلى من أن يُختزل في مصالح ضيقة أو ولاءات حزبية مؤقتة. بناء دولة المؤسسات هو الطريق الوحيد نحو عراق مستقر، ديمقراطي، وقادر على المنافسة في المنطقة والعالم، ويستحقه كل مواطن وأجياله القادمة.
