في الأيام الأخيرة، هزت المشاهد المؤلمة لمهاجمة الحيين الكورديين (الشيخ مقصود والأشرفية) في حلب، قلوب كل الكورد في أجزاء كوردستان الأربعة وفي كل مكان من العالم. هذا التعاطف إنما يدل على حيوية المشاعر القومية والتعاضد مع الإخوة في الوطن واللغة الذين يتعرضون لخطر الإبادة والتهجير. لكن على هامش هذا الهم القومي، تناهت للأسماع أصوات مخيفة، تدعو للـ(ثأر) من العرب السوريين المقيمين في إقليم كوردستان، الذين إما جاؤوا إلى هنا فراراً من ظلم السلطات أو جاؤوا بحثاً عن عمل نتيجة سوء أحوالهم المعيشية، مثل هذا التفكير لا يخدم القضية الكوردية بل يوجه أشد الضربات إلى أخلاقيات وتاريخ وهوية الشعب الكوردي الإنسانية. فكان أن انبرى الرئيس بارزاني للرد مدافعاً وحامياً لهذه القيم والهوية الكوردية.
العقوبة الجماعية واحدة من أشنع وأكثر التصرفات ظلماً ارتكبها البشر على مدار التاريخ. عندما ترتكب دولة ما أو جماعة مسلحة أو طرف سياسي في مكان ما، جريمة، فإن اتهام كل من يشارك المذنبين في العرق أو اللغة في تبعاتها، انتهاك مطلق للمبادئ الإنسانية والأخلاقية. اللاجئون العرب في كوردستان، غالبيتهم هربت من نفس ذاك الظلم والحروب التي تمسك اليوم بخناق الحيين الكورديين في حلب. هؤلاء لا حول لهم ولا قوة وقد لجأوا إلى "المجتمع الكوردي" بصفته ملاذاً آمناً، وطردهم أو إيذاؤهم ليس ظلماً وحسب، بل هو تكرار لنفس الظلم الذي يعاني منه الكورد على مر التاريخ. نحن ضحايا، ومن المحال أن ننقلب إلى جلادين.
التاريخ الكوردي متخم بآلام النزوح والتهجير القسري. نحن شعب عانى من التعريب والأنفال والإبادة الجماعية. فبينما نعارض السياسات التي كانت تريد محو هويتنا وطردنا من أرضنا، كيف يمكن أن نلجأ اليوم إلى نفس تلك التصرفات بحق أناس لا حول لهم ولا طول؟ إن مجد الكورد يكمن في أننا فتحنا أحضاننا للمنكوبين في حين كنا نعاني غاية المعاناة. هذه السمة عند شعب كوردستان أصبحت موضع تقدير من العالم كله، وقد أشار إليها الرؤساء والزعماء والساسة والمنظمات الخيرية والثقافية.
تاريخ العالم مليء بوصمات سود نجمت عن الكراهية والثارات. ففي فترة الحرب العالمية الثانية، احتجزت أمريكا الآلاف من المواطنين الأمريكيين المنحدرين من أصل ياباني، فقط لأن اليابان هاجمت بيرل هاربر. ثم بعد سنوات كثيرات، اعتذرت أمريكا رسمياً ووصفت قرارها ذاك بأنه مبعث خزي، لأن أولئك المحتجزين كانوا أبرياء لا علاقة لهم بالسياسات العسكرية اليابانية.
في المقابل، هناك النماذج العظيمة، مثل نيلسون مانديلا. فعندما خرج مانديلا من السجن وانتهى نظام الأبارتايد العنصري، لم يدع إلى طرد البيض الذين ظلموه لسنين عدة. قال مانديلا: الحرية ليست مجرد تحطيم للأصفاد والسلاسل، بل هي الحياة بطريقة تحترم حريات الآخرين أيضاً. كان يعلم أن الثارات ستدمر البلد، بينما التسامح يبني البلد. في سياق مماثل، تصرفت القيادة السياسية الكوردستانية نفس التصرف، عندما أصدرت خلال انتفاضة ربيع 1991 العفو العام عن قيادات الجحوش ومستشاري أفواج مرتزقة النظام البعثي، وأعادت جنود الجيش العراقي سالمين إلى ديارهم وأحضان عائلاتهم، وقد أشار الرئيس بارزاني مراراً إلى التصرف الإنساني المتسامح للكورد مفاخراً به، وقد أكد بيانه الأخير على شهامة التفكير والتصرف الكورديين.
يقول زعيم حركة الحقوق المدنية، مارتن لوثر كينغ: الظلام يعجز عن طرد الظلام، بل النور وحده قادر على طرده. الكراهية لا تطرد الكراهية، بل المحبة هي من تفعل ذلك". هذه المقولة يجب أن تصبح مرشداً لنا. إذا كانت الفصائل المتطرفة في سوريا، أو السلطات السورية، تتعامل بكراهية وحقد، فإن ردنا بنفس الكراهية والحقد على مواطني هذا البلد، سيؤدي فقط إلى توسيع دائرة العنف.
يقول مولانا جلال الدين الرومي: كن كالشمس في الرحمة والكرم". الشمس حين تشرق، لا تسأل أي نوع من الأشجار هذه الشجرة، بل توزع ضوءها على كل الأشجار بالتساوي. كذلك يجب أن تكون الإنسانية الكوردية؛ فجمال هويتنا يكمن في حمايتنا للمنكوبين وليس في إرسالهم إلى بؤر الهلاك.
علينا في المجتمع الكوردستاني أن نميز بين (المذنب) و(المواطن المدني)، فإذا انتهك القانون في إقليم كوردستان شخص، أو بات يهدد الأمن، عندها يجب أن يعاقبه القانون بدون الالتفات إلى جنسه أو عرقه أو هويته. أما ترحيل عائلة أو طفل أو عامل عاجز فقط لكونه من العرب، فهو تصرف لاإنساني يخدم الأجندة التي تريد تصوير الكورد للعالم كأمة متطرفة.
تكمن شهامة الكورد في أنهم كانوا في أتون النيران ظلاً وارفاً لمن لجأ إليهم. فلنحل دون تخريب تاريخ الحافل بالمجد هذا لمجرد عاطفة موقتة وصوت متطرف. ليكن تعاطفنا مع الأشرفية والشيخ مقصود دافعاً للضغط على المجتمع الدولي ومساندة أخواتنا وإخواننا، وليس سلاحاً لإيذاء هؤلاء الذين لا ملاذ لهم ويقيمون في مدننا. إن كرامة الكورد تكمن في حماية الضيوف واللاجئين لا في طردهم.
