يشكل مطلب الحقوق القومية الإطار المرجعي الأساس لانطلاق العمل السياسي الكوردي المنظم في سوريا منذ حزيران 1957، حيث تبلور هذا المسار بوصفه تعبيراً سياسياً عن واقع تاريخي و اجتماعي مميز للشعب الكوردي في روجآفاي كوردستان.
وقد حافظ هذا المطلب على مركزيته عبر مختلف مراحل تطور الحركة السياسية الكوردية، وانتقل كإرث نضالي وفكري بين الأجيال، ليظل عنصراً بنيوياً في الخطاب والممارسة السياسية.
أفضت الأزمة السورية، بما انطوت عليه من تحولات بنيوية وأحداث عنيفة، إلى إنتاج واقع سياسي - أمني جديد اتسم بعسكرة المجال العام، بحيث بات اللجوء إلى القوة المسلحة يُنظر إليه من قبل معظم الفاعلين السوريين بوصفه خياراً اضطرارياً لحماية الوجود الجماعي، في ظل دولة فقدت القدرة على أداء وظائفها الأساسية، وفي مقدمتها حماية الإنسان بمعزل عن أي انتماء أخر - و من هذا المبدأ، وبوصفها استجابة اضطرارية لواقع صراعي، برزت وحدات حماية الشعب الكوردية كفاعل عسكري وأمني في المناطق الكوردية، لا باعتبارها فقط نتاج لخيار أيديولوجي محض، بل بوصفها استجابة عملية فرضتها ديناميات الصراع وتوازنات القوة السائدة - وتُظهر قراءة الاتجاهات السياسية والاجتماعية داخل المجتمع الكوردي اليوم، أن هذه الوحدات ماتزال تُنظر إليها من قبل شريحة واسعة، باعتبارها الضامن الرئيس لحماية الوجود الكوردي في سوريا - ومن ثم، يُنظر إلى التفريط بها كخيار مرتفع الكلفة، ليس على المستوى الأمني فحسب، بل كذلك على المستويين السياسي والاستراتيجي، لما يترتب عليه من آثار تمسّ معادلات الوجود والقدرة التفاوضية مستقبلاً.
حقيقةً مثّل احتلال عفرين عام 2018، وما أعقبه من أحداث في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، نقطة تحول مفصلية في مسار القضية الكوردية في سوريا - فقد أظهرت الانتهاكات الواسعة والممنهجة التي تعرضت لها هذه المناطق (من قتل، تهجير قسري وسياسات تغيير ديمغرافي) طبيعة التهديدات البنيوية التي تواجه الكورد، وهي ممارسات تندرج وفق معايير القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ضمن نطاق الجرائم ضد الإنسانية - وأسهمت هذه الوقائع في نقل القضية الكوردية من مستوى المطالب الحقوقية غير المنجزة إلى مستوى تهديد مباشر للوجود الجغرافي والديمغرافي والهوية الجمعية - وعلى ضوء هذه التحولات والمعطيات المرحلية، تبرز ضرورة موضوعية لإعادة ترتيب أولويات الحركة السياسية الكوردية في سوريا، بما بعيد وضع الحقوق القومية في المناطق الكوردية الثلاث (عفرين، كوباني والجزيرة) في صدارة الأجندة السياسية.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
ويُفترض أن يتم ذلك ضمن إطار جامع وتحت مظلة مؤتمر 26 نيسان، بوصفه منصة سياسية مرشحة للاضطلاع بدور مرجعي في تنسيق العمل الكوردي المشترك .
لاشك بأن المسارات الدبلوماسية والتفاوضية تكتسب أهمية متزايدة، بوصفهم أهم أدوات العمل السياسي، شريطة أن تستند إلى مرجعية حقوقية واضحة ومحددة، وأن يتجه نحو تحقيق مكتسبات قابلة للتكريس تتصل بالحقوق القومية الجماعية - أما المقاربات ذات الطابع العابر للهويات القومية والدينية، مثل خطاب "أخوة الشعوب والمكونات"، فعلى الرغم من قيمتها النظرية في بناء فضاء وطني جامع، فإنها تظل مسؤولية جماعية لا يمكن اختزالها في منطقة معينة، ويبقى المكان الطبيعي لترجمتها السياسية والدستورية هو العاصمة دمشق، ضمن سقف وطني يضم الجميع ويضمن لهم المساواة والعدالة.
