في ظل التغيرات الراهنة في سوريا لاسيما بين السلطة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) عقب سيطرة الجيش السوري على عدة مناطق في الطبقة والرقة، وُقِعت اتفاقية عاجلة يوم الأحد الماضي 18 كانون الثاني الجاري نصت على وقف إطلاق النار ودمج قسد في وزارة الدفاع السورية الانتقالية.
هذا الاتفاق الذي يطرح جملة من التساؤلات حول الوضع الراهن والمرحلة المقبلة ضمن الأطر العسكرية وتوازن القوى إقليمياً ودولياً، وخصوصية القضية الكوردية لاسيما وأن القصف لايزال متواصلاً على مدينة كوباني الكوردية، الأمر الذي يخالف بنود الاتفاق المبرم طارحاً سؤالاً حول إعادة تموضع الولايات المتحدة الأميركية من جديد كخطوة أولية لها في سوريا الانتقالية بالترابط مع النفوذ التركي الذي يضع القضاء على الوجود الكوردي على رأس قائمة أولوياته، فهل ستنجح جميع التحالفات اليوم بحجة قسد للنيل من القضية الكوردية عسكرياً وسياسياً؟.
إعادة هندسة المشهد من قبل أميركا
كانت ولاتزال قسد تمتلك قوة عميقة عسكرياً وتنظيمياً وجغرافياً، بالإضافة لدورها الفعلي في محاربة أعتى التنظيمات الإرهابية (داعش) الذي أكسبها شرعية على المستويين الإقليمي والدولي، الأمر الذي أكسبها أهمية للعب دورها في مسار التوازنات الدولية وتحجيم التمدد التركي داخل المناطق الكوردية في سوريا حيال التغييرات الجارية لاسيما الدولية منها، وفي مقدمتها الدور السلبي الذي يلعبه توم باراك، المبعوث الأميركي إلى سوريا، اليوم ليس فقط تجاه قسد فحسب، بل يتمدد ليشمل القضية الكوردية وإقصائها كما السابق وفق أجندات بلاده على المستوى الإقليمي.
التنازل عن قسد من قبل الجانب الأميركي ليس إلا خارطة طريق مسبقة الصنع سياسياً عابرة للحدود، ما أضعف دورها في المشهد السوري وإبعادها بصورة مباشرة وبالتعاون مع الجانبين السوري والتركي. مجمل هذه التحالفات ضد الكورد يبرز الدور الأميركي كقوة ضغط سياسية بغية ترتيب مصالح واشنطن غير آبهة بحلفائها الكورد. باراك الذي يدير المرحلة الحالية، يلعب دوراً سلبياً اليوم وفقاً لتطلعات أميركية اقتصادية أكثر منها سياسية وديبلوماسية وإفشاء السلام في دولة مثل سوريا عانت من الحرب على مدار أربعة عشر عاماً.
تلك التطلعات التي تزيد الطين بلة كفرض ترتيبات جديدة بأقصى سرعة ممكنة على مبدأ "اخدم تنال"، بمعنى مهما تنازلت سأقدم لك ما تصبو إليه من الدعم لنيل حالة الاستقرار، هذا هو توم باراك الذي كان واجبه الأول والأخير، داخل بلد انتقل من حالة النزاع إلى حالة السلم (المزعوم)، الحيادية مع كافة الأطراف السورية، لكنه انحرف عن المسار الأولي معتبراً، وفي خضم التدخلات التركية المستمرة على الكورد في روجآفا، الكورد عنصراً دون وزن يذكر خلافاً للسابق.
باراك يعد أحد أبرز محركي المشهد وعرابي التسوية التي تنص على إدماج قسد ضمن وزارة الدفاع السورية بلا أطر دستورية وسياسية فعلية على الأرض، ما يدل وبصورة واضحة أسلوب توم باراك ورؤيته المنحازة باتجاه السلطة الانتقالية في سوريا في سعي حثيث نحو القضاء على الشعب الكوردي وقضيته التاريخية، لذا بات من الواضح السياسة العقيمة والمقاربة القاصرة التي تتبعها واشنطن في تعاملها مع الملف الكوردي داخل سوريا الانتقالية. براك يُعتبَر أداة تقويضية حاولت بشتى الوسائل إبطال أي اتفاق من شأنه تحقيق التوازن في المعادلة السورية بين دمشق والكورد وفقا لتطلعات دولية من بينها واشنطن وأنقرة.
لماذا أطيح باتفاق العاشر من آذار؟
أطاحت السلطة السورية باتفاق العاشر من آذار بشكل تدريجي وليس بصورة مفاجئة، بل وأفرغته من محتواه رغم دعوة القيادات الكوردية وقيادات قسد للاستمرار في مسار الحوار البناء، لكنها وبعد أحداث حلب التي أكدت نواياها العاطلة تجاه الشعب الكوردي وبشكل مباشر حسمت موقفها النهائي كون الاتفاقية لا تتوافق مع عمق الذهنية لديها، فالكورد يطالبون بالاعتراف الدستوري ودمشق تحاول الاستيلاء عليهم وإخضاعهم بأدوات وطرق ملتوية.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
اتفاق العاشر من آذار كان اختباراً حقيقياً عن مدى احتواء السلطة الانتقالية للشعب الكوردي وتحقيقي مطالبهم الدستورية المشروعة، لكنها وبوضوح أثبتت عدم قدرتها أو استعدادها لتطبيق مفهوم المواطنة الفاعلة والشراكة الحقيقية مع الكورد، كونها ترى في هويتهم ووجودهم خطراً وجودياً لبنية سلطتهم الانتقالية التي لا يحق لها سوى الإشراف على ما يجري، وقد وقعت الاتفاقية تحت الإملاءات والضغوط الخارجية لاسيما الولايات المتحدة الأميركية.
استخدمت السلطة الانتقالية اتفاق العاشر من آذار أداة لاستيعاب الضغوط الدولية والمتداخلة في سوريا، إشارة إيجابية في المرحلة الانتقالية للشعب الكوردي الذي، منذ الأزل ولايزال، يعيش واقعاً مأساوياً.
تجديد الاتفاق في ظل التحالفات الدولية
يعتبر الاتفاق المبرم برعاية أميركية فرصة الحل الممكن إن طبق من قبل الطرفين، لكن دمشق لاتزال تناقض ما وقعت عليه، كما أن الدور المزدوج لواشنطن الذي بات يتعمد تغيير توجهاتها والدفع باتجاه تقديم الدعم لحليفتها تركيا في مناطق تواجد الكورد في روجآفا، بل وتقديمها في إدارة هذه المناطق عوضاً عن تفعيل دورها المباشر في حماية الكورد. بالإضافة إلى الدور الروسي الداعم للسلطة الانتقالية. شبكة التحالفات إقليمياً ودولياً، حيث لب الاتفاق ومن خلال الممارسات على الأرض بعد التوقيع عليه أنه نتاج التداخلات الإقليمية والدولية وفقاً لمنطق الأجندات الاستراتيجية والمكاسب المشتركة وليس ثمرة رغبة سورية متكاملة.
قسد باتت في موقف أضعف من ذي قبل بسبب تراجع الدور الداعم لها. السلطة الانتقالية تحاول من خلال الاتفاق بسط السيطرة على كامل الجغرافية السورية وبدعم دولي بحجة تشكيل جيش سوري موحد تحت مظلة الجمهورية العربية السورية، مصطلح العربية الذي لايزال موضع جدل كونه لا يمثل كافة القوميات والهويات الأخرى في سوريا. لذا تجديد الاتفاق لا يمثل لحظة فارقة في المسار السياسي وخاصة بالنسبة للكورد وخاصة بعد الخذلان الدولي إلا أنه يعكس وبصورة مباشرة محاولة لفرض حل سياسي شامل كما تنص بنود الاتفاق رغم طمس مشروعية حقوق الشعب الكوردي لاسيما السياسية والثقافية.
في المحصلة، لا يمكننا، ومهما كان الثمن، اختزال القضية الكوردية وحقوق الشعب الكوردي داخل صندوق إعادة ترتيب أولويات دمشق التي باتت تفرض نفسها نتيجة تحالفات إقليمية ودولية، وإنما هي قضية اعتراف دستوري لشعب عانى لعقود من الزمن من الاضطهاد والإقصاء المتوارث فيما يتعلق بالهوية والحقوق لاسيما السياسية منها وحق المشاركة الفاعلة في رسم ملامح البلاد. الآن وما نلاحظه من ممارسات السلطة الانتقالية ليست إلا إعادة إنتاج التوازنات مجدداً يصيغ مختلفة من الأزمات الخانقة رغم تداولها لخطاب يحمل بين طياته التوازن والاستقرار وجيش واحد. لذا تغييب الأبعاد السياسية والدستورية عن أي اتفاق بشكل حقيقي تخلق شرخاً جسيماً في جوهر الإشكال الذي يتم معالجته ويصبح أشد تعقيداً.
في سوريا التي دفع فيها الكورد الإقصاء والدم ثمناً في سبيل الهوية والحقوق، هل بالإمكان نجاح أي اتفاق سياسي في سوريا في ظل رؤية الأطراف الدولية القضية الكوردية ملفاً قابلاً للتفاوض أو المقايضة أو أداة ظرفية في الصراعات الدائرة، لا قضية شعب يستحق أن يكون شريكاً سياسياً حقيقياً في سوريا الجديدة؟.
