في خضم لحظات تاريخية ذي تعقيدات سياسية مركبة منذ هروب النظام الأسدي، لايزال الكورد في مواجهة قوى سورية وأوروبية وأميركية تزعم دعمها الحقيقي لهم، حيث السلطة الانتقالية في سوريا أعلنت ذلك عبر مرسوم رئاسي صدر مؤخراً، ناهيك عن الاتفاقيات التي تمت بينها وبين قوات سوريا الديمقراطية على مراحل لكنها تحاول فرض نظام مركزي بحلة جديدة، وأوروبا التي تخاطب وتدعم القضية الكوردية وحقوق الشعب الكوردي بإطار قانوني تحت إشراف المجتمع الدولي عبر بياناتها التي لا ترقى إلى مستوى الفعل المطلوب، والموقف الأميركي الذي احتضن قوات سوريا الديمقراطية بغطاء عسكري في تعاون مباشر لمحاربة أعتى التنظيمات الإرهابية في روجافا كوردستان حبيس الأجندات السياسية والمنافع الاستراتيجية.
هذا الدعم يبقى منقوص المحتوى والهدف الحقيقي من ضمانات دستورية وحلول سياسية مستدامة تفرض الوجود والقضية الكوردية بصورة حقيقية غير خاضعتين للوصاية، مستقلتين بالقرار، متمتعتين بالشرعية، مؤسستين قانونياً مع الاعتراف بهما دولياً.
إعادة هيكلة بلا ضمان
كانت ولاتزال تنهال على الكورد وعود رمزية بمنأى عن أية ضمانات دستورية حول تقديم الدعم لهم وإشراكهم في بناء سوريا الجديدة خلافاً لما حصل لهم في عهد النظام العفلقي والأسدين كما يُزعَم، التبني المتمثل بعملية دمج إداري وعسكري في محاولة من السلطة الانتقالية للسيطرة بشكل غير مباشر على المناطق الكوردية دون الاعتراف الرسمي والفعلي بحقوق الكورد القومية والسياسية رغم صدور المرسوم 13 في السادس عشر من كانون الثاني 2026 من قبلها، حيث يمكن نسفه بإصدار مرسوم آخر متى ما شاءت دمشق، الأمر الذي يبعث على القلق.
غياب الاعتراف الدستوري بالكورد بشكل فعلي يعكس عدم جدية السلطة الانتقالية في تعاملها مع الكورد، وإبعادهم عن المساهمة في عملية البناء ومسار العملية السياسية السورية، ما يعطي رسالة واضحة مفادها أن الكورد باتوا أداة كما السابق رغم التضحيات التي قدموها والجهود التي بذلوها للحفاظ على المناطق التي كانت بحمايتهم وإبقائها ذاتية الحكم، وعدم السماح لجرها نحو محاولات لإشعال حرب أهلية وطائفية. الانتشار الحالي لقوات الأسايش على النقاط المتفق عليها ضمن بنود اتفاق الـ30 من كانون الثاني الماضي من العام الحالي بين قوات سوريا الديمقراطية والسلطة الانتقالية، ليس إلا تعبيراً عن تحرك علني وشكلي هش يلغي كل ما من شأنه معالجة الملف السياسي والمواطنة الفاعلة. هذا ليس من منبع التشاؤم نتيجة المعطيات بل من واقع ممارسات أنظمة الحكم المتعاقبة في سوريا وعلى رأسها نظام البعث بقيادة ميشيل عفلق الذي فرض أيديولوجية المركز على الكورد لعقود من الزمن في محاولة لتهميشهم وإقصائهم بوصفهم تهديد مباشر لسيادتهم الوطنية وأمنهم بذريعة مطالبتهم بحقوقهم القومية والثقافية والسياسية، بالإضافة إلى خوفهم من الانفصال عبر تحركات الكورد السياسية والدبلوماسية.
الهيمنة السياسية التي تتبعها السلطة الانتقالية في الوقت الراهن من أجل التفرد بقرارها العسكري والسياسي بعيداً عن الاعتراف بأي شكل من أشكال الحكم الذاتي الخاص بالكورد في روجافا كوردستان (المناطق الكوردية)، الذي يشكل خطراً، كما تدعي، على مخططاتها المستقبلية، نظراً لكونه النموذج الأكثر نجاعة في التعايش والإدارة المدنية والعسكرية، بالإضافة لوصفه تمهيداً لأن يحذو باقي المكونات حذو الكورد وينتهجون أسلوبهم في المطالبة بالوجود والحقوق.
في المقابل، هناك مخاوف كبيرة لدى دمشق من علاقات الكورد العابرة للحدود لاسيما في مناطق تواجدها التاريخية في كل من إيران وسوريا وتركيا الذي قد يثير محاولات أشد تعقيدا من قبل الأطراف الإقليمية التي قد تشكل تهديداً استراتيجياً عابراً لحدود تلك الدول والدول الأخرى التي يتواجد فيها الكورد.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
مما سبق، يمكن القول أن إنكار أو رفض السلطة الانتقالية أو مماطلتها في الاعتراف الدستوري بالكورد قانونياً ليس بمحض الصدفة أو الانفتاح الحقيقي على مطالب الكورد التاريخية، بل يعكس خطة تكتيكية بمحتوى سياسي يحاول تقبل الكورد بغطاء كشف حقيقتها في تجذير مصالحها وبسط سيطرتها خوفاً من أية عملية انفصال كما تدّعي. لذا ثمة مخاطر على القضية الكوردية حالياً حيث التراجع التدريجي في سيطرتها الإدارية في روجافا كوردستان لاسيما بعد تراجع الدعم الأميركي لقوات سوريا الديمقراطية، وتفريغها من محتواها ورسالتها وأهدافها التي عززتها لسنوات، ما يعطي انطباعاً فعلياً عن العودة إلى عهد الإقصاء والتغييب تحت مسمى سوريا الموحدة أو المواطنة المتساوية المغلفة بالتهميش.
الدعم الدولي بلا مشروع سياسي
تحاول واشنطن وأوروبا دعم الكورد في سوريا عبر مشروع مصالحها، وهذا الدعم يبقى مقتصرا بالمجالين السياسي والعسكري، وربما الإنساني، بشكل محدود غير مرفق بمشروع أو التزام سياسي حقيقي يضمن حقوق الكورد. ف واشنطن تحاول تمديد التعاون مع الكورد على ما يبدو لضبط التوازنات الإقليمية، بوصفهم ذراع استراتيجية، في محاولة لإرضاء الجانب التركي الذي يسعى بكامل قواه العسكرية والسياسية القضاء على أي وجود كوردي في مناطق روجافا كوردستان. لذا يبقى السؤال مطروحاً: لماذا تجهض الولايات المتحدة الأميركية محاولات ولادة علاقة مع الكورد تحت مظلة سياسية طويلة الأمد وتبقيها قيد التنسيق العسكري فقط؟.
يسعى الاتحاد الأوروبي أيضاً عبر خطاباته المتلاحقة واحدة تلو الأخرى تبيان دفاعه المستميت عن حقوق الشعب الكوردي لكنه لا يتعدى إطار الشعور بالمخاوف والتهديدات ويبقى موقفه خارج دائرة التأثير والتفعيل الحقيقي لأوراق النفوذ والضغط على الأطراف ذات الصلة التي ينبغي مؤازرة ومناصرة القضية الكوردية خارج حدود التصريحات اللفظية. هنا يتضح الواقع الذي لابد لنا أن نعترف به بكل جرأة أنه خالٍ من أي حماية حقيقية لهذا الشعب مع تغييب كامل للضمانات الدستورية في ظل غياب مسار سياسي واضح نتيجة احتواء مؤقت ومظلة مرحلية أو ما يسمى بالدعم الخارجي الذي لم ولن يكون انعكاسا ملموساً لجوهر القضية الكوردية والحقوق المغتصبة للشعب الكوردي.
وفي ذات السياق، وما أكد على تراجع الدعم هو الانسحاب التكتيكي للقوات الأميركية من أهم قواعده ذات الدور المهم في حماية تل أبيب من الهجوم الإيراني، ما يعني مقدمة لظهور تنظيم الدولة الإسلامية من جديد وبفعالية أكبر في محاولة لتوسيع العمل العسكري في الدولة الجارة (العراق)، وبالتالي خلق مزيد من المخاوف من هجوم الحشد الشعبي على أراضيه الذي بإمكانه أن يمتد لأراضي إقليم كوردستان، الأمر الذي من شأنه بلورة حالة من عدم الاستقرار وتوليد أزمة في روجافا كوردستان خاصة بعد سيناريو التجاهل المتعمد لمناطق الرقة ودير الزور لإعادة ترتيبهم كحاضنة قوية للتنظيمات الإرهابية، ما سيشكل خطرا حقيقيا على المناطق الكوردية.
في المحصلة، وللتصدي لأي انهيار محتمل للملف الكوردي في روجافا كوردستان، ينبغي الإصرار والعمل المشترك من قبل كافة الأطراف الكوردية وعلى وجه الخصوص تفعيل الدور الإيجابي لقادة إقليم كوردستان للضغط على السلطة السورية والدفع بها نحو الاعتراف الدستوري بالحقوق المشروعة للشعب الكوردي وإقرار المشاركة السياسية الحقيقية. كما يجب تحويل المساندة الأوروبية والأميركية لحالة التزام سياسي مستدام، لا مؤقت، من خلال أجهزة متابعة وتقييم ورقابة دولية تحت مظلة احترام حقوق الآخر المختلف وضمان حريته وأمانه. هكذا بالإمكان تعزيز الوجود الكوردي في مناطقه التاريخية رغم ما تمر به من عواصف الخيانات وتراجع الدعم من قبل بعض الأطراف آنفة الذكر.
