في لحظات تاريخية دولية شديدة الحساسية تتسابق فيها التغيرات الجيوسياسية للدفع نحو صياغة جديدة لمسرح القوة وخطوط التأثير الاستراتيجي، عقد مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن بتاريخ 13 شباط من العام الحالي، حيث الفضاء الذي يختبر شرعية المدعوين من الفواعل والنخبة السياسية في النظام الدولي والمدى الحقيقي للاعتراف بهم بمن فيهم الكورد، المتمثل بالسيد نيجيرفان بارزاني والجنرال مظلوم عبدي، الذين حمل حضورهم في المؤتمر ميونيخ معانٍ ضمنية ورسائل سياسية تتخطى حدود البروتوكولات ليعاد إنتاجه وتجسيده على هيئة ملف سياسي عابر للحدود والتموضع في قلب طاولات الحوارات والمناقشات الدولية ليغدو جزءاً من القرار الدولي عوضاً عن حصره بدور محلي داخل حدود بعض الدول.
الحضور الكوردي اليوم يعكس وزنه السياسي داخل أي معادلة إقليمية مرتبطة بمستقبل الشرق الأوسط، ومكانته العالقة والخاضعة لتوازنات متغيرة حيث الإقصاء السياسي، غياب الشراكة الأمنية، إنكار حقوقهم المشروعة الواجب إدراجها في الدستور والاعتراف ببصمتهم السياسية في استقرار المنطقة.
من الهوامش إلى قلب الحسابات الدولية
من داخل قاعات مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن نوقشت قضايا وملفات الشرق الأوسط بوصفها ساحة إقليمية للصراعات والنزاعات في ظل التحولات الجيوسياسية التي تمر بها، حيث تغييب الأمن الذي صار في الآونة الأخيرة يدير التوازنات على الأرض في سعي للاستيلاء على القنوات الاستراتيجية بما فيها الحدود.
العامل الأشد حساسية في معادلة الاستقرار بالمنطقة لاسيما في سوريا وتركيا وإيران والعراق هو عدم القدرة على تخطي الكورد الذين يتموضعون في هذه الجغرافية ذات الصراع الإقليمي المركزي. الاهتمام الموسع من قبل ميونيخ بالكورد ودعوتهم للحضور، يلقي الضوء وبقوة على القضية المختبأة خلف العناوين العريضة للمؤتمر ألا وهي القضية الكوردية، ما يعطي انطباعاً عن الحضور العابر للحدود للكورد بصفة فواعل جيوسياسية حقيقية بسبب ارتباطها بملف محاربة التنظيمات الإرهابية (داعش) وتحقيق الاستقرار في كل من سوريا والعراق والتوازنات وتعزيز الحالة الأمنية لاسيما مع الجانب التركي في ظل الاعتراف السياسي المبتور والمفرغ من مضمونه.
خطاب كوردي واحد
في فضاء هذا المؤتمر وداخل غرفها المغلقة وبحضور ممثلين عن واشنطن وألمانيا وفرنسا والقوى الفاعلة الأخرى، برز الكورد كقوة لكنها كانت أمام تحدٍّ كبير: هل وجودهم يعبر عن قضية سياسية موحدة؟ أم حضور كل قيادي كوردي سيعكس بالضرورة ملف خاص ومنفصل يخضع لسيناريوهات ورهانات وكواليس القرار المرتبط بكل دولة على حدا؟.
ظهر الكورد في هذا المؤتمر، إضافة إلى دورهم الرئيسي في إبراز قضيتهم وكفاعل سياسي، كسيف ذي حدين في معادلات التوازنات الدولية حيث لعبهم الدور الأمني بالتعاون مع واشنطن في مكافحة الإرهاب في روجافا كوردستان (شمال شرق سوريا) والعراق، والنظر إليهم كورقة ضغط في المعادلات الدولية لا سيما بين واشنطن وأنقرة. في سياق ميونيخ، كان الخطاب الكوردي بإطار سياسي موحد جمع بين مطالبهم بالاعتراف الدستوري بحقوقهم المشروعة لاسيما في روجافا كوردستان، الأمر الذي أكد عليه رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، ومشاركتهم الفعالة والحقيقية في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.
خطاب الكورد الموحد في ميونيخ منحهم وزناً وتأثيراً سياسياً حتى إن لم تترجم بإطار رسمي في مسار صياغة القرارات الصادرة التي يمكن اعتبارها قرارات فاصلة وغير قابلة للطعن.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
فالصوت الكوردي بات جلياً في مسرح التوازنات الإقليمية: الحضور غلب التوصيف الشكلي وصار محركاً أساسياً للتعاملات السياسية والدبلوماسية بين القوى الفاعلة، إضافةً إلى محتوى خطابهم الموحد الذي أفصح عن امتصاص العوائق والإشكالات الداخلية ومعالجتها بغية تقوية الموقف الكوردي ووحدتهم أمام الأطراف الدولية.
رسائل الكورد العابرة للحدود
الرسالة السياسية الكوردية للمؤتمر واضحة المعالم والتأثير، حيث كسر الكورد كل ما يدعو لتصورات قد تشكك في وحدتهم في أجزاء كوردستان الأربعة والعالم أجمع حالياً خلافاً لما قد روج له سابقاً، حيث التفاعل والدور الحيوي من قبل الرئيس نيجيرفان بارزاني والجنرال مظلوم عبدي في ترك انطباع صريح وحقيقي عن الكورد قوةً وتأثيراً داخل مسار التوازنات السياسية المحلية والإقليمية والدولية، وتأكيدهما على تعزيز مبدأ الشراكات والتعاون مع الجميع ضمن الأطر السياسية مع الحفاظ على تطلعات الكورد فيما يتعلق بحقوقهم التي لاتزال قيد التأجيل لاسيما في روجافا كوردستان، وكسر التابوهات التي تحمل بين ثناياها براغماتية القرار والموقف لخلق حالة من تطبيع الوجود السياسي الكوردي التي تشكل لدى السلطات الانتقالية في سوريا هاجس خوف كما في عهد النظام العفلقي سابقاً، والاعتراف الضمني الذي يمهد للقبول الفعلي بالوجود الكوردي إدارياً وسياسياً بشكل رسمي.
الخوف من الحضور الكوردي
على مدار أيام مؤتمر ميونيخ الذي لعب دوراً حيوياً في إبراز الصوت الكوردي وبقوة، كان يتضح للجميع هالة الخوف من ذاك الحضور الذي أرعب العديد من الأطراف الإقليمية والدولية وعلى رأسها تركيا ودمشق اللتين كانتا تبعثان عبر الإعلام رسائل غير مباشرة هدفها تضييق وتأطير فضاء الوجود السياسي الكوردي عبر نقل الصورة غير الحقيقية لطاولات الحوار واللقاءات التي كانت تدار بين الكورد أنفسهم، وبين الكورد والقوى الفاعلة كواشنطن وألمانيا وفرنسا والسعودية وغيرها من الحضور، ووصفها بإطار نشاط جانبي هامشي وهش لا يحمل أي وزن سياسي لا سيما اللقاءات مع القيادة الكوردية من روجآفا، أو كما زعموا أنها تتجاوز مسار المبالغة في قراءة الموقف الكوردي الحقيقي، وتقييمها بهذا الشكل لا يرقى لمستوى الفعاليات الدولية لإبقاء الكورد بأطر محدودة تقصيهم عن لعب دورهم اللامحدود في مسار العملية السياسية المؤثرة. هذا النهج يعكس التصور الحقيقي لهواجس الخوف من اكتساب الكورد الشرعية الدولية عبر طرح موقف وخطاب كوردي موحد داخل هذه المحافل الدولية. مشاركة الكورد في ميونيخ خلال الأيام الماضية ليس إلا اختباراً جدياً وحساساً ودقيقاً من جانبين: إثبات حضورهم السياسي الفعلي على هذه الساحة الدولية وهذا ما فعلوه حقيقةً، ومدى جاهزية الأطراف الأخرى من إقليمية ودولية في تقبُّل الكورد كفواعل سياسية حقيقية في التوازنات الدولية.
في نهاية المطاف، يبقى حضور الكورد في مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن تجربة سياسية وجيوستراتيجية وامتحاناً صعباً لمدى تفوقهم في فرض وجودهم شعباً وقضيةً ومؤثراً موازياً للقوى الدولية، وليس مجرد تمثيل رمزي مفرغ من المضمون. نجاح الكورد في إحداث فرق وصنع أثر على المدى البعيد عبر التفاعل والالتقاء بعديد القوى الدولية، وخطاب ورسائل سياسية موحدة يؤكد مجدداً الأهمية التاريخية التي تتمتع بها القضية الكوردية، ما يضعها في مكان الفواعل المحلية والإقليمية والدولية رغم التحديات والمخاطر والتهديدات الوجودية، إلا أن الرسالة الكوردية تظل جلية منذ الأزل وإلى الآن: حضور الكورد ضمن أي فعالية دولية أو غيرها مسألة جوهرية وعميقة لتحقيق التوازن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط لاسيما في المناطق الكوردية التاريخية لهم التي برهنت، ولاتزال، حقيقة الكورد كركيزة سياسية على مر العصور لا يمكن الاستغناء عنها.
