في قلب التغيرات السورية الراهنة المصحوبة بلحظات سياسية أشد تعقيداً من قبل، لم تعد القضية الكوردية مسألة تدار بإطار تفاهم محلي فحسب، بل تطورت لتتحول إلى ملف جيوسياسي أشبه ببؤرة التقاطعات والتوازنات الداخلية والخارج. فالمعادلة اليوم غير مرتبطة بتيسير المرحلة الانتقالية، التي نحن بصددها الآن، فقط، بل تعدت لتشمل سوريا الجديدة بعقد وطني جامع لا إقصائي بعيداً عن إعادة صياغة الفكر المركزي بصورة مختلفة ومؤجلة.
هنا تولد أزمة ثقة جيوسياسية شاملة أكبر من أي اشتباك سياسي محتمل، حيث التباطؤ في تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني من العام الجاري، تصاعد وتيرة الحرب الإعلامية من قبل الوسائل التابعة للسلطات الانتقالية في دمشق، الغموض حول مستقبل مناطق روجآفا كوردستان سياسياً وعسكرياً، والضبابية التي تلف إعادة ترتيب ملف داعش الإرهابي بعد تسلم دمشق مهمة إدارته، ما يطرح التساؤل الأكثر انشغالاً وعمقاً: هل سيبقى الكورد رهينة توازنات إقليمية ودولية دون ترجمة إرثهم النضالي أوما قدموه من الكلفة السياسية والاستراتيجية التي يمكن تسميتها بالثمن التاريخي في خضم الحروب الداخلية والمساومات الدولية؟ ورغم كل ما حصل بات تدويل القضية الكوردية شأناً ملزماً أمنياً وسياسياً لا مقاربة مؤقتة أو خطوة ظرفية.
أزمة ثقة جيوسياسية
منذ اندلاع الحرب في سوريا عام 2011، واجه الكورد أعتى وأشرس العوائق داخل سوريا تعدت الصراع والمساومة على قضايا محددة مع الأطراف السورية الأخرى، وهزت أركان رابطة العلاقات بين الفواعل المحلية والإقليمية والدولية يمكن وصفها بأزمة ثقة جيوسياسية.
منذ سنوات والكورد يديرون ملف التنظيمات الإرهابية (داعش) في روجآفايي كوردستان بدعم من التحالف الدولي، إلا أن هذا التعاون العسكري مع الولايات المتحدة الأميركية لم يترجم بشكل حقيقي لضمانات تحمي حقوق الكورد السياسية والقومية والثقافية والتاريخية، بل كما نلاحظ وبعد تخلي واشنطن الصريح عن قوات سوريا الديمقراطية، الذي تجلى لاسيما في أحداث الأشرفية والشيخ مقصود، أن الكورد باتوا في مواجهة تحديات جديدة تطلبت وحدة كوردية عاجلة، وهذا ما حصل بالفعل خاصة بعد تدخل الرئيس مسعود بارزاني الذي قدم الدعم سياسياً ودبلوماسياً عبر تحركاته الإقليمية والدولية من جهة، والدعم الكوردي من أجزاء كوردستان الأربعة وفي دول العالم من جهة أخرى. يجد الكورد أنفسهم اليوم أمام أخطر التساؤلات: هل ستبقى تضحياتنا أسيرة صفقات ومقايضات مشروطة على المستويين الإقليمي والدولي؟.
للأسف بات منطق التحوط يسيطر على فكر معظم الفاعلين في المعادلة السورية بمنأى عن أية ثقة محتملة أو واردة، ما يضعنا أمام سيرك تراجيدي من خلال الشعارات التي تمثل الهلوسة الأيديولوجية على المنابر الدبلوماسية التي من المفترض أن تعكس بلاغة الحوار والتفاهمات بين الأطراف المتصارعة داخل الجغرافية الواحدة وأمام المجتمع الدولي. فمواقف بعض الدول وعلى رأسها واشنطن كانت متشابكة ومتناقضة في الآونة الأخيرة، وقلق تركيا الجلي من أي وجود كوردي وتقويته، جعلت كافة المسارات القائمة على الحوار والتفاهم والالتزام في حالة تدهور وهشاشة تزيد حدة أزمة الثقة وتفاقمها.
اتفاق 29 كانون الثاني.. تأجيل التنفيذ في بيئة هشة
في ظل أزمة الثقة الجيوسياسية التي لاتزال تجتاح القضية الكوردية وتزلزل المشهد الكوردي، تبرز حيوية اتفاق 29 كانون الثاني لاسيما أهميتها في التي تجاوزت حدود الأطر الرسمية الإدارية أو الاتفاقيات المكتوبة فما يخص الجانب السياسي.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
لذا يعكس التأخير في تنفيذ هذه الاتفاقية ضعفاً واضحاً في الاتفاق والالتزام من قبل دمشق الذي يمكن تأويله لتوجسات من قبل بعض الأطراف المحلية والإقليمية والدولية التي تنعكس سلباً على المصير الكورد وسوريا بذات الوقت.
كان الأجدر بهذا الاتفاق أن يُحوَّل إلى خطوة استراتيجية أكثر منها لعبة تكتيكية آنية، إلا أن تأجيله يحول دون ذلك، حيث بات أداة لضياع الوقت بغية تحقيق أجندات سياسية داخل الأروقة ذاتها التي كانت شاهدة على توقيع بنود الاتفاقية التي نصت على الضمانات الفعلية لحقوق الشعب الكوردي لاسيما فيما يخص الاعتراف الرسمي بخصوصيتهم الإدارية لمناطقهم الكوردية (روجآفا كوردستان) وتأمين حمايتها وتحقيق الأمن لها.
التباطؤ في تنفيذ الاتفاق مرتبط بصورة مباشرة بالرهانات السياسية الدقيقة، ما يعطي انطباعاً لدى الكورد أن أي تأخير أو تباطؤ أو تأجيل أو غموض ليس إلا برهاناً قاطعاً على استخدامهم كورقة مفاوضات بين الفينة والأخرى داخل الملف السوري.
ضبط التوازنات يتطلب دعماً دوليا مكثفا وحقيقياً بعيدا عن الأطر المحلية، للمرور من مرحلة هشاشة التنسيق الداخلي التي تهمش القضية الكوردية وشراسة التعقيدات الإقليمية والدولية إلى مرحلة الاعتراف والتفاهم المتبادل لاسيما بعد المحاولات التي تجري الآن لتدويل القضية الكوردية من قبل الأطراف الكوردستانية والدولية.
الحرب الإعلامية
بالتوازي مع الملفات الأمنية والسياسية، تشن السلطة الانتقالية في دمشق حرباً إعلامية لصناعة بيئة مشوهة ومضللة عن الشرعية الكوردية واستحقاقاتهم الدستورية بغية تحجيم ملف وموقف الكورد في سوريا، التي باتت تستخدم قوات سوريا الديمقراطية كأداة للنيل من الكورد وطمس مطالبهم الكوردية كما في العهود السابقة عبر تناولها لتعابير "نحب الكورد وهم أخوتنا ولكننا لا نريد قسد" ومصطلحات مثل "الانفصاليين" أو "الابتزاز السياسي"، ما ولّدت وبقوة جواً من المشاحنات بين الكورد وبينها بما فيهم الأطراف التابعة لها تحمل بين طياتها الخطر والتوجس.
هذا الخطاب الإعلامي السام والكاره للمختلف ليس سوى شرعنة للمناورات السياسية والتسويات المرحلية تفوق بعقود حالة التضليل والتزييف للتأثير على الرأي العام العالمي، ما رسخ، ولايزال، الثقة الهشة بين كافة الأطراف السورية وبينها وبين الجهات الدولية أيضاً.
في هذا الإطار، وباختصار، إي إجراء أمنياً كان أم سياسياً بالنسبة للكورد وقضيتهم محكوم بالصورة الإعلامية، حيث الإجهاض الحقيقي للسعي نحو الاعتراف بهم وتقديم الضمانات الدستورية للتأكيد بل وتثبيتها في الدستور السوري الجديد.
ختاماً، كانت وستظل القضية الكوردية هي الملف الأكثر حساسية في ضوء التفاهمات الدولية قبل الإقليمية رغم الضغوط المستمرة التي تعصف بها وتزيد من إقصائها. وأي استقرار لن يتحقق إلا عبر بناء جسور الثقة، وتكريس الضمانات الدستورية بإطار قانوني، مع التركيز على رسالة الإعلام وتوظيفها لنقل الحقيقة وليس تزييفها، في هذه الحالة فقط يمكن للقضية الكوردية أن تكون شريكاً فعلياً ودائماً في صناعة الدولة السورية الجديدة.
