في الثقافة السياسية والاجتماعية الحديثة، لا يعد الإعلام مجرد أداة لنقل المعلومات، بل يُنظر إليه كـ "رقيب وحارس". هذا المفهوم في عالم الصحافة المهنية يعني أن واجب الإعلام هو المراقبة الدقيقة للسلطات، والأسواق، والمؤسسات، لمنع أي انحراف يضر بالمصلحة العامة. عندما تفتح مؤسسة إعلامية مثل شبكة رووداو الإعلامية ملف "السيطرة النوعية، والأدوية المزيفة، ورداءة المنتجات الغذائية"، فهي لا تعادي أحداً، بل تتبع أعلى المعايير المهنية المطبقة عالمياً.
في الدول المتقدمة مثل أميركا وأوروبا، يكمن أكبر فخر لوسائل الإعلام في قدرتها، من خلال الصحافة الاستقصائية، على كشف الفساد في قطاعي الأدوية أو الغذاء. على سبيل المثال، عندما تقوم صحيفة (واشنطن بوست) أو (نيويورك تايمز) بالتحقيق مع شركة أدوية كبرى أخفت الآثار الجانبية لدوائها، لا يتم اتهامها بأنها تعمل ضد مصالح الشعب، بل تُمنح جوائز إعلامية كبرى. هكذا يؤدي الإعلام عمله؛ عبر حماية حياة الناس وكشف الحقائق.
إن المتابعة وتسليط الضوء على الخفايا في المنافذ الحدودية، وعمليات تهريب الأدوية والسلع المزيفة، وغياب السيطرة النوعية، هو ذات النهج العلمي والمهني الذي تتبعه وسائل الإعلام العالمية المرموقة. الهدف ليس تقويض القطاع التجاري، بل إجبار المؤسسات على الالتزام بالمعايير وضمان وجود تجارة نزيهة خالية من الغش.
عندما نتحدث عن رداءة السيطرة النوعية، فنحن لا نتحدث فقط عن سلعة تغير لونها، بل نتحدث عن "مواد سامة" و"أدوية محظورة" و"أدوية عديمة الفعالية" تدخل في دماء أطفالنا. إن دخول الأدوية المزيفة عبر المنافذ الحدودية يؤدي في المحصلة إلى زيادة معدلات الموت المفاجئ، وانتشار السرطان، وفشل الكلى والكبد بسبب المواد الكيميائية الضارة، وفقدان المريض للأمل في تلقي العلاج وإطالة أمد آلامه.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
الإعلام عندما يعرض هذه الحقائق، يعمل كجهاز إنذار وتوعية. إذا لم يتحدث الإعلام عن مخاطر تلك الأغذية والأدوية، فمن سيحذر المواطنين؟ أليس الصمت تجاه هذه الكارثة الإنسانية خيانة للأخلاق المهنية؟.
دائماً ما تكمن مصلحة مالية أو سياسية خلف كل صرخة احتجاج ضد الإعلام. لذا، فإن أولئك الذين ينزعجون من حديث رووداو عن السيطرة النوعية هم عدة مجموعات؛ جزء منهم يرى أن أرباحه الخاصة أهم من حياة المواطنين، والجزء الآخر هم أولئك الذين يريدون إخفاء القصص المروعة لدخول المواد والأدوية السامة، ومنهم المهربون الذين يجدون في الظلام وغياب الرقابة الإعلامية البيئة الأنسب لأعمالهم غير القانونية.
اتهام الإعلام بـ "تخويف الناس" ليس سوى ذريعة واهية. الحقيقة هي أن "على الناس أن يخافوا" عندما يعلمون أن ما يأكلونه أو يستخدمونه كدواء لم يخضع للفحص والرقابة. الخوف هنا يصبح دافعاً للضغط على الشركات ومؤسسات السيطرة النوعية لإجراء الإصلاحات.
في كل أنحاء العالم، يضع الإعلام إصبعه على الجراح لكي يراها المعنيون ويعالجوها. إذا لم يرَ الإعلام الجرح، أو رآه وصمت عنه، فإن الجرح سيتحول إلى "غرغرينا" تفتك بجسد المجتمع بأكمله.
باختصار، رسالة الإعلام المؤثر واضحة: نحن لسنا هنا لنخلق سعادة زائفة للناس، بل نحن هنا لنقول الحقائق المرة من أجل حماية حياتهم. إن حماية الأمن الغذائي والدوائي واجب مشترك بين الحكومة والمجتمع المدني والإعلام. ودائماً ما كان الشخص المهني هو من يكشف الحقائق، بينما الجاهل هو من يثير الضجيج.
