في تاريخ الدول، هناك لحظات لا تكون مجرد أحداث عابرة، بل نقاط انعطاف تعيد رسم المشهد بأكمله. اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في غارة إسرائيلية قبل أيام ليس حدثاً عسكرياً عادياً في سلسلة المواجهات الطويلة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بل لحظة قد تغيّر طبيعة الصراع في الشرق الأوسط لعقود.
فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979، كان النظام الإيراني مبنياً حول مركز واحد: المرشد الأعلى. لم يكن مجرد قائد سياسي أو ديني، بل كان العمود الفقري للنظام الذي يمسك بخيوط الجيش والحرس الثوري والمؤسسات الدينية والاقتصادية. لذلك فإن ضرب رأس النظام ليس مجرد ضربة عسكرية؛ إنه محاولة لخلخلة البنية العميقة للدولة الثورية نفسها.
اليوم، مع الإعلان عن مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، خليفةً لوالده، تبدو إيران وكأنها تدخل مرحلة جديدة من تاريخها. غير أن هذه المرحلة لا تبدأ بهدوء انتقال السلطة كما يحدث في الدول المستقرة، بل تولد في قلب حرب مفتوحة.
انتقال السلطة في زمن الحرب
في الأنظمة السياسية المستقرة، يمر انتقال السلطة عبر إجراءات دستورية هادئة. أما في الأنظمة الثورية، خصوصاً تلك التي تواجه حرباً خارجية، فإن انتقال السلطة يصبح اختباراً للشرعية.
هنا تكمن المفارقة التي تواجه القيادة الإيرانية الجديدة. فمجتبى خامنئي - الذي يُنظر إليه في واشنطن وتل أبيب كشخصية متشددة ومرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحرس الثوري - سيجد نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يثبت شرعيته داخل النظام دون أن يظهر بمظهر الضعيف أمام خصوم خارجيين يسعون لإضعاف إيران أو حتى تغيير نظامها؟.
غالباً ما تدفع مثل هذه اللحظات القيادات الجديدة إلى التصعيد لا التهدئة. فالتاريخ السياسي مليء بأمثلة لقادة حاولوا تثبيت موقعهم عبر إظهار الحزم في مواجهة الخارج.
الحرس الثوري: الدولة داخل الدولة
لكن السؤال الأهم ربما لا يتعلق بشخص المرشد الجديد بقدر ما يتعلق بالقوة التي تقف خلفه: الحرس الثوري الإيراني.
على مدى أربعة عقود، تحول الحرس الثوري من قوة عسكرية تأسست لحماية الثورة إلى مؤسسة تمتد جذورها في الاقتصاد والسياسة والأمن. وفي لحظات الاضطراب الكبرى، يميل ميزان السلطة في إيران إلى هذه المؤسسة أكثر من أي جهة أخرى.
إذا استمرت الحرب، فمن المرجح أن يصبح الحرس الثوري اللاعب الأكثر تأثيراً في صنع القرار. وهذا قد يعني أن منطق الحرب سيطغى على منطق السياسة، لأن المؤسسات العسكرية غالباً ما تنظر إلى الصراعات من زاوية التوازنات الميدانية لا التسويات الدبلوماسية.
عقلية ترمب: الضغط حتى الانكسار
على الجانب الآخر من الصراع، تبدو واشنطن - خصوصاً في ظل عقلية الرئيس الأميركي دونالد ترمب – متمسكة باستراتيجية تقوم على الضغط الأقصى.
هذه الاستراتيجية ليست جديدة. فقد استخدمها ترمب سابقاً في مواجهة إيران عبر العقوبات الاقتصادية القاسية. لكن في سياق الحرب الحالية، يبدو أن الضغط لم يعد اقتصادياً فقط، بل أصبح مزيجاً من:
• ضربات عسكرية دقيقة
• استهداف مراكز القوة في النظام
• خنق اقتصادي متواصل
الفكرة الأساسية في هذه المقاربة بسيطة: زيادة الكلفة على الخصم حتى يصبح التفاوض أو الانهيار الخيارين الوحيدين المتاحين أمامه.
خطر توسع الحرب
لكن التاريخ يعلمنا أن الصراعات الكبرى نادراً ما تبقى محصورة بين طرفين فقط. فالشرق الأوسط شبكة معقدة من التحالفات والصراعات، وإيران تمتلك شبكة واسعة من الحلفاء في المنطقة.
إذا شعرت طهران بأن بقاء النظام نفسه مهدد، فقد تلجأ إلى توسيع نطاق المواجهة عبر ما يعرف بـ حرب الوكلاء. وهذا قد يعني فتح جبهات متعددة في المنطقة، من لبنان إلى العراق واليمن وربما الخليج.
وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الحرب مجرد مواجهة بين إيران وإسرائيل أو الولايات المتحدة، بل قد تتحول إلى صراع إقليمي واسع يهدد استقرار الشرق الأوسط بأكمله.
لحظة مفصلية
