في الخليج توجد اماكن صغيرة على الخريطة لكنها كبيرة في حسابات السياسة والطاقة، وجزيرة خرج واحدة من تلك النقاط الحساسة التي تحولت عبر العقود الى عقدة اساسية في معادلة النفط والأمن الإقليمي.
تقع الجزيرة شمال الخليج وتتبع اداريا لمحافظة بوشهر في ايران ولا تتجاوز مساحتها نحو عشرين كيلومترا مربعا لكنها تلعب دورا يتجاوز بكثير حجمها الجغرافي.
تكمن اهمية الجزيرة في انها تمثل القلب النابض لصادرات النفط الايرانية فمنذ عقود تمر عبر مرافقها النفطية نسبة كبيرة من صادرات البلاد من الخام الى الاسواق العالمية وتشير تقديرات قطاع الطاقة الى ان ما بين خمسة وثمانين وتسعين في المائة من النفط الايراني كان يغادر البلاد عبر هذه الجزيرة في فترات الانتاج المرتفع وقبل تشديد العقوبات الدولية على طهران كانت صادرات ايران النفطية تتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين برميل يوميا وكان القسم الاكبر منها يمر عبر مرافئ وخزانات جزيرة خرج.
تضم الجزيرة شبكة واسعة من المنشآت النفطية بما في ذلك عشرات خزانات التخزين ومحطات التحميل البحرية المرتبطة بانابيب تمتد من الحقول النفطية في البر الايراني وتقدر قدرة التخزين في الجزيرة باكثر من عشرين مليون برميل من النفط، ما يمنح طهران قدرة على ادارة عمليات التصدير حتى في اوقات التوتر او تعطل بعض الامدادات.
لكن هذه الاهمية الاقتصادية جعلت الجزيرة ايضا هدفا حساسا في اي سيناريو صراع اقليمي فقد تعرضت منشآتها النفطية في ثمانينيات القرن الماضي لهجمات متكررة خلال الحرب العراقية الايرانية فيما عرف آنذاك بحرب الناقلات وكانت بغداد تدرك ان ضرب منشآت خرج يعني توجيه ضغط مباشر الى الاقتصاد الايراني ورغم الاضرار التي لحقت بها في تلك المرحلة تمكنت ايران لاحقا من اعادة تأهيل المرافق النفطية وتطويرها.
اليوم تعود الجزيرة الى واجهة الاحداث بعد الضربات الاميركية التي استهدفت مواقع في محيطها وهو تطور يعكس تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران ويعيد طرح تساؤلات واسعة حول امن الطاقة في الخليج.
فأي تهديد جدي لمنشآت الجزيرة قد يؤدي الى تقليص قدرة ايران على تصدير النفط بشكل ملحوظ ما ينعكس مباشرة على عائداتها المالية في وقت يعتمد فيه الاقتصاد الايراني الى حد كبير على قطاع الطاقة ورغم ان ايران حاولت خلال السنوات الماضية تطوير منافذ تصدير بديلة عبر موانئ اخرى على الساحل الايراني فان هذه البدائل لا تستطيع في المدى القصير تعويض الدور الذي تلعبه منشآت جزيرة خرج.
لكن تأثير اي تصعيد لن يقتصر على ايران وحدها فالخليج يعد احد اهم مراكز انتاج الطاقة في العالم واي اضطراب في منشآت النفط الكبرى قد يؤدي الى ارتفاع سريع في اسعار النفط العالمية، كما ان التصعيد العسكري بالقرب من مضيق هرمز قد يهدد حركة الملاحة البحرية التي يمر عبرها نحو خمس تجارة النفط العالمية.
في المقابل تدرك طهران حساسية هذه المنشآت ولذلك عملت على تعزيز الاجراءات الدفاعية في محيط الجزيرة سواء عبر انظمة الدفاع الجوي او من خلال الوجود البحري للحرس الثوري الايراني في المنطقة كما تراهن ايران على مجموعة من اوراق الضغط الاقليمية التي قد تشكل عنصر ردع لأي هجوم مباشر من بينها موقعها الجغرافي على الضفة الشمالية لمضيق هرمز وقدرتها على التأثير في امن الملاحة في هذا الممر الحيوي.
لهذا تبقى جزيرة خرج اكثر من مجرد منشأة نفطية فهي نقطة التقاء بين الاقتصاد والطاقة والجغرافية السياسية في منطقة تعد من اكثر مناطق العالم حساسية وربما لهذا السبب تحديدا تظل هذه الجزيرة الصغيرة حاضرة في حسابات الاستراتيجية الاقليمية لان اي هزة تصيبها قد تمتد اثارها الى ما هو ابعد بكثير من حدودها الجغرافية الضيقة.
