أقحمت بعض الفصائل العراقية الموالية لايران بطريقة أو أخرى العراق ليكون جزءاً في الحرب الجارية بين الولايات المتحدة الأميركية واسرائيل من جهة وايران من جهة أخرى، وتسبب استهدافها للتواجد الأميركي (الرسمي وباتفاق مع الحكومة العراقية) سواءً في بغداد او اقليم كوردستان العراق وغياب الرادع الحكومي بأن جعل الولايات المتحدة أن ترد بنفسها على هذه الاستهدافات وقصف بعض مقرات هذه الفصائل في محافظات عدة بالعراق وجعل المدنيين فيها بحالة قلق ورعب مما ستؤول اليه أمور هذا التصادم المسلح.
ولو نظرنا الى الموضوع من الناحية القانونية، فإن أي نشاط عسكري أو أمني خارج سلطة الدولة يُعد مخالفة صريحة لمبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة ويجرمه القانون العراقي. وأكد الدستور العراقي أن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الرسمية هي الجهة الوحيدة المخوّلة بحمل السلاح والدفاع عن البلاد. لذلك، فان تنفيذ أية هجمات أو عمليات عسكرية دون قرار حكومي رسمي يُعد عملاً غير قانوني.
كما أن استخدام أراضٍ عراقية لشن هجمات على دول أخرى قد يُعرّض العراق لمسؤولية دولية، ويُعد انتهاكاً لمبدأ عدم استخدام أراضي الدولة للإضرار بدول أخرى.
أيضاً ان تعريض حياة المدنيين للخطر، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، يدخل ضمن الجرائم التي يعاقب عليها في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، خاصة إذا أدت إلى خسائر بشرية أو أضرار بالممتلكات، إذ جرمتها عدة نصوص في المواد الآتية:
-المادة 406 إذا أدى الفعل إلى قتل أشخاص، فيُعد جريمة قتل عمد.
-المادة 410 – 412: تتعلق بالاعتداء الذي يؤدي إلى إصابات جسيمة.
-المادة 421 وما بعدها تعاقب على الأفعال التي تعرّض سلامة الناس للخطر، مثل التفجيرات أو الأعمال التي تهدد الأمن العام.
-المادة 194 – 200 تتعلق بالأفعال التي تمس أمن الدولة الداخلي أو الخارجي، ومنها الأعمال التي قد تجر البلاد إلى نزاع أو تعرّضها لخطر خارجي.
إذا كان الفعل (مثل إطلاق صواريخ أو تنفيذ هجمات) يؤدي إلى تعريض المدنيين للخطر، فيمكن تكييفه قانونياً ضمن جرائم تهديد الأمن العام أو الاعتداء على النفس أو أمن الدولة.
أما على مستوى القانون الدولي، فهذه الأفعال قد تُعتبر خرقاً لمبادئ أساسية مثل سيادة الدول وحماية المدنيين، وقد تفتح الباب أمام ردود فعل عسكرية أو عقوبات، يتحمل تبعاتها البلد ككل وليس الفاعلين فقط.
كذلك أشارت اتفاقيات جنيف بأن هذه الأفعال تدخل ضمن مبادئ:
-مبدأ التمييز، يجب التفريق بين المدنيين والمقاتلين، ولا يجوز استهداف المدنيين.
-مبدأ التناسب، يُمنع تنفيذ هجوم إذا كان الضرر المتوقع على المدنيين أكبر من الهدف العسكري.
-حظر استخدام المدنيين كدروع سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
ويعتبر أي خرق لهذه المبادئ قد يُصنَّف كـ"جريمة حرب"، ويخضع للمساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية إذا توفرت الولاية القانونية.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
أما من الناحية الأخلاقية: فالموضوع يعتبر أكثر حساسية، إذ أنه:
-يعرض حياة ملايين المدنيين لخطر التصعيد أو الضربات الانتقامية ويُعد إخلالاً بمبدأ أساسي، وهو "حماية المجتمع".
-استخدام مناطق سكنية أو منشآت مدنية كغطاء يُعتبر سلوكاً غير أخلاقي لأنه يضع المدنيين كـ "دروع غير مباشرة".
-غياب القرار المركزي والتصرف بشكل منفرد يعكس حالة عدم المسؤولية تجاه مصير البلد، ويُضعف الثقة العامة ويزيد من حالة الفوضى.
بشكل عام، أي فعل عسكري لا يراعي سلامة المدنيين ولا يلتزم بالقانون، يُعد إشكالية قانونية ومرفوض أخلاقياً، خاصة عندما تكون نتائجه المحتملة أكبر من أهدافه.
الإجراءات الأمنية المشددة للفصائل الولائية، تخفٍ، خوف، وغياب التنسيق في ظل الحرب. في خضم هذه الحرب، اتخذت الفصائل الولائية المرتبطة بإيران سلسلة من الإجراءات الأمنية المشددة، تعكس حجم القلق والتهديد الذي تشعر به قياداتها. فقد اختفت قيادات الصف الأول بشكل شبه كامل عن الأنظار، متبعةً سياسة التخفي التام وتجنب أي ظهور علني، خشية التعرض للاستهداف المباشر. أما قيادات الصفين الثاني والثالث، فقد لجأت إلى تقليل تحركاتها إلى أدنى حد ممكن، وأصبحت تتجنب التواجد في مقراتها المعروفة أو المكشوفة، ولا تلجأ إليها إلا في حالات الضرورة القصوى.
ويعود هذا السلوك الحذر إلى الخوف المتزايد من الضربات الجوية الدقيقة، التي باتت تشكل تهديداً حقيقياً لتحركاتهم وتمركزهم. ولهذا، اعتمد بعضهم على استخدام منازل مدنية أو مواقع تابعة للجيش العراقي كملاجئ مؤقتة، بعيداً عن الأنظار، في محاولة لتقليل احتمالية رصدهم واستهدافهم.
وفي سياق الإجراءات الأمنية، فرضت هذه الفصائل قيوداً صارمة على استخدام وسائل الاتصال، إذ جرى إيقاف تشغيل معظم الهواتف المحمولة، حتى بالنسبة للمقربين من القيادات. وعند الاضطرار لاستخدام الهاتف، يتم تكليف أشخاص موثوقين بإجراء الاتصالات دون الإشارة إلى الأسماء أو أي معلومات حساسة، لتقليل مخاطر الاختراق أو التتبع. كما يعتمدون على تغيير أماكنهم بشكل مستمر، مستخدمين أحياناً سيارات تابعة للشرطة أو الجيش العراقي للتمويه أثناء التنقل.
ولم تتوقف إجراءات التخفي عند هذا الحد، بل لجأ بعضهم إلى استخدام أماكن غير متوقعة مثل المدارس أو أقبية المستشفيات كملاجئ مؤقتة، تفادياً لأي استهداف محتمل. أما العناصر الأخرى المتواجدة في المقرات والقواعد المعروفة، فهي تعيش حالة من القلق الدائم، ما دفعها إلى الابتعاد نسبياً عن تلك المواقع، مع الحفاظ على وجود شكلي فيها، خاصة في ظل صدور تعليمات صارمة بعدم إخلاء المقرات بشكل كامل، خوفاً من انهيار المعنويات داخل صفوف هذه الفصائل.
ومن جانب آخر، صدرت توجيهات واضحة بعدم التنسيق أو التواصل المباشر بين الفصائل المختلفة، بحيث يعمل كل فصيل بشكل منفصل وفق تقديراته الخاصة. وفي الحالات الطارئة، يتم اللجوء إلى وسائل تقليدية مثل الرسائل الورقية لنقل المعلومات، في مشهد يعكس حجم التخوف من الاختراقات التقنية.
وقد أسهم هذا التشتت وغياب القيادة المركزية الفاعلة في خلق حالة من الفوضى وعدم الانضباط، الأمر الذي أدى، في بعض الأحيان، إلى تصرفات غير منسقة، من بينها تنفيذ هجمات انطلقت من الأراضي العراقية باتجاه دول الخليج، دون وجود قرار موحد أو استراتيجية واضحة تحكم تلك العمليات.
