في منطقة تدار فيها الحروب بعقول الآخرين وتنفذ بأيدي الوكلاء، حيث تختلط الحسابات السياسية بصوت الصواريخ، يبرز اسم رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني كأحد أبرز الفاعلين الذين يحاولون تثبيت معادلة التوازن.
رجل اختار أن يضع كوردستان في موقع التهدئة، لا في خط الاشتباك، لكن ما جرى مؤخراً لم يكن حادثاً عابراً يمكن إدراجه ضمن سجل التوترات التقليدية، استهداف منزل رئيس إقليم كوردستان في دهوك ليس تفصيلاً أمنياً عابراً، بل رسالة صريحة وخطيرة، رسالة تقول إن هناك من قرر كسر قواعد اللعبة، ومن يسعى إلى جر الإقليم قسراً إلى قلب العاصفة، رغم كل محاولاته للابتعاد عنها.
الأخطر في هذا المشهد، أن الاتهامات لم تعد تتجه إلى الخارج فقط، بل حتى الحرس الثوري الايراني سارع إلى إدانة الهجوم ونفي أي صلة له بهذا العمل الارهابي، إلى جانب مواقف كل جهات أخرى التي جاءت في الاتجاه ذاته، هذا التوافق النادر بين أطراف متباينة لا يترك مجالاً للشك بأن ما حدث ليس حادثاً عابراً، بل عمل إرهابي واضح بكل المقاييس، وحين تتفق جهات متباينة على الإدانة، فإن ذلك لا يعكس فقط خطورة الحدث، بل يكشف حقيقة أوضح إن الرئيس نيجيرفان بارزاني أصبح عنوانا للسياسة المتزنة، ورمزا لنهج السلام في منطقة تميل إلى التصعيد
وهنا يتقدم السؤال الأكثر خطورة، إذا كانت القوى الإقليمية والدولية تنفي وتدين، فمن الذي يجرؤ على تنفيذ هكذا هجوم داخل الأراضي العراقية؟ ومن يمتلك القدرة على استهداف منزل رئيس إقليم كوردستان دون أن يخشى أي رد فعل؟.
الإجابة التي لم تعد همساً في الشارع تشير إلى جماعات مسلحة خارجة عن سيطرة الدولة، جماعات لم تعد تتحرك في الظل فقط، بل باتت تفرض واقعاً ميدانياً بقوة السلاح، متجاوزة القانون ومؤسسات الدولة، وهذا ما يجعل المسؤولية اليوم تقع بشكل مباشر على عاتق الحكومة العراقية، ليس فقط في الإدانة، بل في التحرك الجاد لكشف هوية المنفذين وتقديمهم إلى العدالة، فالدولة التي لا تحاسب، والدولة التي لا تفرض القانون، تفتح الباب أمام الفوضى، وإذا لم يتم التعامل مع هذا الهجوم بحزم، فإن الرسالة ستكون أخطر من الهجوم نفسه أن هناك من يستطيع أن يضرب دون أن يحاسب.
هذا الحدث لا يمكن عزله عن السياق الأوسع، فإقليم كوردستان، وعلى مدى سنوات، تبنى نهجاً قائماً على بناء علاقات متوازنة مع الجميع، ورفض أن يكون جزءاً من أي محور أو صراع إقليمي، لم تكن هذه السياسة سهلة، بل كانت خياراً مكلفاً في منطقة تعاقب من يرفض الانخراط في المحاور المتصارعة.
استهداف منزل رئيس الإقليم ليس استهدافاً لشخص، بل ضربة موجهة إلى نهج كامل إلى فكرة أن تكون هناك منطقة في العراق تحاول أن تعيش خارج منطق الفوضى، وأن تحافظ على قدر من الاستقرار في محيط ينهار.
وهنا، يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: أين الدولة؟ كيف يمكن للحكومة العراقية أن تتحدث عن السيادة، بينما تعجز مؤسساتها عن حماية أحد أعلى رموزه السياسية داخل حدوده؟ كيف يمكن القبول بأن تقصف مناطق وتستهدف منازل دون ردع واضح أو محاسبة حقيقية؟.
إن الصمت في مثل هذه اللحظات لا يقرأ ضبطاً للنفس، بل عجزاً، والتردد لا يفسر حكمة، بل ضعفاً، فالدولة التي لا تحتكر السلاح ولا تفرض القانون، لا تكون دولة مكتملة، بل كياناً هشاً تدار فيه الأمور خارج مؤسساته.
الأخطر من ذلك، أن استمرار هذه الهجمات لا يهدد كوردستان وحدها، بل يضرب مفهوم الدولة في العراق من أساسه. لأن الرسالة التي تبعث اليوم واضحة هناك قوى تستطيع أن تضرب متى تشاء، وأينما تشاء، دون أن تحاسب.
وهذا يقودنا إلى سؤال أكثر عمقاً هل ما يحدث مجرد انفلات أمني؟ أم أننا أمام محاولة ممنهجة لفرض واقع تدار فيه الدولة بقوة السلاح لا بقوة القانون؟ ما جرى ليس حدثاً عابراً، بل مؤشر خطير على اتجاه الأمور فإذا كان منزل رئيس إقليم كوردستان ليس أمناً، فماذا عن أمن المواطن؟ وإذا كانت هذه الهجمات تمر دون حساب، فما الذي يمنع أن تتحول إلى نمط دائم؟
لم يكن إقليم كوردستان يوما مصدر تهديد لأي طرف، بل كان دائماً عنصر تهدئة في منطقة تعيش على حافة الانفجار. لكن يبدو أن هذا الدور نفسه أصبح سبباً في استهدافه، لأن هناك من يرى في الاستقرار خطرا، وفي التوازن تهديدا لمصالحه، ولا يمكن قراءة استهداف منزل الرئيس نيجيرفان بارزاني كحادث أمني فقط، بل كاختبار قاس للدولة العراقية إما أن تفرض سلطتها على كامل أراضيها، أو أن تعترف بأن القرار لم يعد بيدها.
وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأكثر إيلاماً مفتوحاً، إلى متى ستبقى كوردستان تدفع ثمن عقلانيتها في منطقة لا تعترف إلا بمنطق الفوضى؟.
