منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، لم يعد النهج المتبع في الأمن الإقليمي لشؤون الخليج والشرق الأوسط يقتصر على سلسلة من التحالفات المستقرة أو نمط ثابت من التهديدات، وأصبح من المتعذر فهمه من خلال الافتراضات التقليدية. إن الأحداث التي وقعت بعد عام 2010 – من سقوط أنظمة وصعود جهات فاعلة من غير الدول، إلى تراجع الانخراط الأمريكي في المنطقة – لم تخلق فراغاً بقدر ما غيرت الأدوار القائمة.
في هذا السياق، تبدو الإمارات دولة تنتقل نحو ممارسات جديدة في ظل هذه الظروف المستجدة، بل وتسعى استراتيجياً إلى تغيير قواعد التفاعل وسلوكها الخاص. لم تكن "اتفاقيات إبراهيم" مجرد لحظة دبلوماسية عابرة، بل أداة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل بيئة الأمن الإقليمي.
وفقاً للواقعية الهيكلية، لا نبدأ بالتعاون، بل بالتهديد. يرى كينيث والتز أن البيئة الأمنية في الخليج تقوم على بنية فوضوية تضغط على الدول للسعي نحو البقاء، إما عبر مراكمة القوة أو من خلال إعادة توزيعها (Waltz, 1979). ضمن هذا الإطار، كان الصعود الإقليمي لإيران، الذي تسهله وسائل غير تقليدية مثل الشبكات المسلحة والقدرات الصاروخية، عاملاً رئيسياً في الضغط على حسابات دول الخليج (Gause, 2014). لكن استجابة الإمارات تجاوزت الردع التقليدي وتطورت إلى ما يشبه "إعادة التموضع الذكي"، الذي يقوم على تقليل الانكشاف المباشر، وتعزيز قنوات التعاون، وبناء قدرات نوعية خاصة في القطاعات غير التقليدية.
هنا، تُفهم "اتفاقيات إبراهيم" ليس كبديل لمنطق توازن القوى، بل كأداة ضمنه. فالتقارب مع إسرائيل – بتفوقها التكنولوجي والاستخباراتي – يُعد جزءاً من توازن غير مباشر للتهديدات الإقليمية، وليس مجرد انفتاح سياسي. يتوافق هذا مع مفهوم ستيفن والت عن "توازن التهديد" (1987)، حيث توازن الدول بين قوتها وقوة خصومها ونواياهم. في ظل هذه الظروف، تجنبت الإمارات بناء تحالف عسكري رسمي، وفضّلت تطوير شبكة أكثر مرونة من التعاون الأمني والتكنولوجي، وهي استراتيجية أقل تكلفة سياسياً وأكثر استجابة للمتغيرات.
ومع ذلك، فإن تطبيق قراءة واقعية بحتة يغفل نصف الحقيقة. لم تنظر الإمارات إلى الاتفاقيات كوسيلة لردع الخصوم فحسب، بل كأداة لإعادة تعريف أنماط التفاعل في المنطقة عبر أدوات ليبرالية مؤسسية. يجادل روبرت كيوهان بأن المؤسسات والاتفاقيات تخفض تكاليف التعاملات وتؤسس الثقة لتقليل حالة عدم اليقين (Keohane, 1984). ما نشهده بعد عام 2020 هو جهد إماراتي لتحويل العلاقة مع إسرائيل من مجرد علاقة سياسية إلى شبكة معقدة من التعاون متعدد الأبعاد في مجالات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والأمن السيبراني. يعتمد هذا الشكل من "التكامل الوظيفي" على خلق نوع من الاعتماد المتبادل الذي لا يجعل الصراعات أقل جاذبية فحسب، بل أكثر تكلفة أيضاً.
في هذه الحالة، تتبع الإمارات نهج "القوة الذكية" الذي طرحه جوزيف ناي (2011)، حيث يتم دمج الأدوات الصلبة والناعمة في نموذج واحد. وتجدر الإشارة إلى أن هذا النهج لا يُقدم كبديل للردع، بل كتعزيز له. باختصار، لا تراهن الإمارات على السلام بقدر ما تراهن على إدارة التوتر عبر ترسانة متنوعة من الأدوات.
عندما نطبق نظرية "مركّب الأمن الإقليمي" التي طرحها باري بوزان وأولي ويفر، نجد أن استراتيجية الإمارات ليست ثنائية فقط، بل هيكلية بطبيعتها وتتعلق بالمنطقة ككل (Buzan & Wæver, 2003). فالخليج والشرق الأوسط ليسا مجرد فضاءين منفصلين، بل "مركّب أمني" مترابط تنتشر فيه التهديدات بسرعة. وفي مثل هذا المركّب، يمكن لأي إعادة تموضع من قبل دولة متوسطة الحجم أن يحدث تأثيراً مضاعفاً. وهكذا، أعادت "اتفاقيات إبراهيم" إدخال الخليج في ملف شرق المتوسط، وولّدت مسارات جديدة للتدفقات الأمنية، سواء عبر التعاون البحري، أو الأمن السيبراني، أو الاستخبارات. هذه ليست تحالفات تقليدية، بل "هياكل شبكية" تعيد توزيع مراكز الثقل في المشهد الأمني. لكن هذا التغيير لا يخلو من تحديات، فتعميق العلاقات مع إسرائيل يغير تصورات التهديد لدى أطراف أخرى، ويضيف متغيرات جديدة في حسابات دول مثل إيران وتركيا.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
ما يميز النموذج الإماراتي ليس فقط موقعه في المركّب الأمني، بل أيضاً كيفية تعريفه لذاته داخله. تساعد "نظرية الدور"، كما وضعها كالي هولستي، في توضيح كيف يتأثر سلوك الدول بتصوراتها الخاصة لدورها في النظام الدولي (Holsti, 1970). بعد عام 2010، لم تعد الإمارات ترى نفسها دولة صغيرة بحاجة إلى الحماية، بل "قوة متوسطة نشطة" قادرة على المبادرة وتشكيل بيئتها المحيطة. هذا التغير في تصور الدور يفسر جزئياً الإقدام على مبادرات سياسية جريئة مثل "اتفاقيات إبراهيم". فالدولة التي ترى نفسها وسيطاً أو مُيسّراً في النظام الإقليمي تكون أكثر استعداداً لتحمل التكاليف السياسية قصيرة الأجل مقابل فوائد استراتيجية طويلة الأجل.
لكن هذا الطموح يواجه حدوداً موضوعية، فتغيير الأمن الإقليمي لا يعتمد على إرادة دولة واحدة، مهما كانت ديناميكية. لقد ترك التحول في الموقف الأمريكي – من الانخراط المباشر إلى "الإدارة عن بعد" – مساحة للمناورة، لكنه أضاف أيضاً حالة من عدم اليقين. يستنتج ستيفن والت أن تراجع الهيمنة لا يعني بالضرورة استقراراً أكبر، بل قد يفتح الباب أمام منافسات إقليمية أكثر تعقيداً (Walt, 2018). في هذا الصدد، تبدو الاستراتيجية الإماراتية أقرب إلى "التحوط" منها إلى الانحياز الكامل؛ فهي من ناحية تعزز روابطها مع إسرائيل، ومن ناحية أخرى، تبقي قنوات التواصل مفتوحة مع إيران وتتبع نهجاً محسوباً في بؤر التوتر مثل اليمن. هذا التوازن، الذي قد يبدو متناقضاً، هو اعتراف بأن الأمن الإقليمي لا يتكون من تحالفات صارمة، بل من شبكة معقدة من العلاقات.
السؤال الأساسي إذن هو: هل نجحت الإمارات بالفعل في إعادة تشكيل ديناميكيات الأمن الإقليمي، أم أنها كانت مجرد لاعب نشط ضمن هيكل قائم؟ الجواب ليس حاسماً. فمن ناحية، خلقت "اتفاقيات إبراهيم" مسارات جديدة للتعاون وكسرت بعض المحرمات السياسية. ومن ناحية أخرى، لا تزال المشاكل الجوهرية – مثل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني – تقيّد نطاق هذا التغيير. ما يمكن قوله بثقة هو أن الإمارات ساهمت في "تغيير قواعد التفاعل"، وإن كان ببطء. لقد انتقلت من كونها طرفاً يتأثر بالتوازنات إلى طرف يصنعها، معتمدة على مزيج من الردع والتعاون وإعادة تعريف الأدوار. هذا المزيج، الذي يجمع بين الواقعية والليبرالية في إطار إقليمي معقد، قد لا يؤدي إلى استقرار دائم، لكنه يرمز إلى خيار واعٍ لإدارة الفوضى بدلاً من الخضوع لها.
المراجع:
Buzan, B. & Wæver, O. (2003) Regions and Powers: The Structure of International Security. Cambridge: Cambridge University Press.
Gause, F.G. (2014) The International Relations of the Persian Gulf. Cambridge: Cambridge University Press.
Holsti, K.J. (1970) ‘National Role Conceptions in the Study of Foreign Policy’, International Studies Quarterly, 14(3), pp. 233–309.
Keohane, R.O. (1984) After Hegemony: Cooperation and Discord in the World Political Economy. Princeton: Princeton University Press.
Nye, J.S. (2011) The Future of Power. New York: PublicAffairs.
Walt, S.M. (1987) The Origins of Alliances. Ithaca: Cornell University Press.
Walt, S.M. (2018) The Hell of Good Intentions: America’s Foreign Policy Elite and the Decline of U.S. Primacy. New York: Farrar, Straus and Giroux.
Waltz, K.N. (1979) Theory of International Politics. Reading, MA: Addison-Wesley.
Gause, F.G. (2014) The International Relations of the Persian Gulf. Cambridge: Cambridge University Press.
Holsti, K.J. (1970) ‘National Role Conceptions in the Study of Foreign Policy’, International Studies Quarterly, 14(3), pp. 233–309.
Keohane, R.O. (1984) After Hegemony: Cooperation and Discord in the World Political Economy. Princeton: Princeton University Press.
Nye, J.S. (2011) The Future of Power. New York: PublicAffairs.
Walt, S.M. (1987) The Origins of Alliances. Ithaca: Cornell University Press.
Walt, S.M. (2018) The Hell of Good Intentions: America’s Foreign Policy Elite and the Decline of U.S. Primacy. New York: Farrar, Straus and Giroux.
Waltz, K.N. (1979) Theory of International Politics. Reading, MA: Addison-Wesley.
