الحرب مشهد لِمُختصَر مكثف من السياسة، وجسر مباشر لهدف لم يتمكن منه الدبلوماسي او اظهر انه لم يتمكن منه.
قرار القتال- مع انه مخزون غريزي في طبيعة اغلب المخلوقات، لكنه قتال غير محسوب التصرف- قرار وعي عند الانسان، مثله مثل قرار رد الاعتداء، ايا كان قرار القتال وايا كان نوع رد الاعتداء.
لم يحصل ان استعارت المخلوقات دون الانسان من الانسان شيئا في صراعها، لكن العكس صحيح، ليس هذا ذمّا كله، ففي جانب من السلوك، كثيرا ما يقوم الانسان بالتعلم والمحاكاة من محيطه ومنها الحيوانات وغيرها.
تَطوّر مفهوم الحرب بتطور العقل البشري، ومنها تطور سياسته خلال الحرب، صحيح ان محركات واهداف الحرب لم تفارق المكتسبات طمعا او دفاعا، لكن ايجاد وبناء وتحريك الادوات السياسية ظلت هي الخزين الاوفر للفوز او لتقليل الخسارات.
العسكريون في الحرب هم ادوات قادتهم السياسيين، و لا يُسمَحُ لهم في دول النفوذ المؤثر في القرار الدولي ان يتدخلوا في السياسة، اذ انهم يبنون خططهم التنفيذية العسكرية في ضوء الهدف الذي يرسمه السياسي.
لقد استقرت كثير من الانظمة السياسية على وضع جاهزية القتال، وفهمت كيف تبني حاضرها ومستقبلها في مكان مؤثر ضمن حلقات الصراع، واول مقومات قوتها هو الاقتصاد والموارد، بشرية وطبيعية وصناعية، هو السوق بكل تفاصيله، بمعنى اخر ان العسكرية لدول النفوذ وان كانت تبدو وقت المواجهة انها في المرتبة الاولى، الا انها في الحقيقة تأتي ثالثة بعد الاقتصاد اولا والذي تغلفه السياسة ثانيا.
يصح ان تتم عملية جراحية لتشريح الحرب، فأن رُفِعَ منها غشاء الدعاية التعبوية (التعبوية تعكس ثقافة فهم المؤثرات في المجتمع من استدعاء روحي واخلاقي ومحركات حماسة، وهي امور يتم الانفاق عليها لغايات معروفة) فإن هذا الغشاء ينتهي مفعوله الى ذكريات، اما ما يبقى فهي الاعضاء الحيوية للحرب، المغانم والمكانة، مقارنة حجم التأثير ثباتا، نزولا، صعودا.
القتال غالبا جسرُ اضطرارٍ واحيانا طريق متعمد يريده السياسي، ليفعل بوقت اسرع ما يراه بطيئا او غير مجد مع الخصم، ثم يعاود الجلوس للحوار تعادلا، او فارضا منتصرا، او مذعنا مهزوما.
قرار الحرب والقتال ان لم يتمكن من تصور واقعي لنتائج ما بعد الحرب من خسارات، فهو قرار غير متزن.
الحرب والقتال هما نقطتا لا عودة، إن وقعا فما بعدهما ليس هو ما قبلهما، لا داخليا ولا خارجيا.
ان كل الدعاية والتوجيه لن تكون لها قيمة في الواقع ما لم يعرف الطرف الذاهب للقتال ما هي خسائره وما مرابحه من المواجهة.
هذا الامر في العقل الانساني هو معيار الاختلاف عن التصارع لما هو دون الانسان من مخلوقات تتقاتل.
